كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الاعتذار من العلم !

المصدر
الاعتذار من العلم ! كان الناس فيمن مضى يعتذرون من الجهل، ونحن في زمن نعتذر فيه من العلم هذا قول بعض العلماء في تصديره لنقد عالم آخر واليوم يعتذر من نصرة العقيدة والله المستعان من الشبهات العالمانية المتهافتة أن أهل الأديان مختلفون وأن العالمانية إذا حكمت ستضمن لهم جميعا الحقوق بغض النظر عن دينهم وهذه شبهة تؤثر في كثير من العامة ولكن مع الأسف كيف تؤثر في الخاصة هذا أمر عجيب وجواب هذه الشبهة : أن جعلك النفع الدنيوي الحاضر سببا في تفضيل مذهبك هذا فرع عن اعتقادك بأنه لا توجد آخرة أو أن الدين قضية هامشية وهذا لا يتم لك إلا بإبطال الدين يعني فرضنا أن العالمانية تعطي حقوقا للجميع صاحب الحق وصاحب الباطل فصاحب الباطل سيفرح لأنه ارتفع ولكن ما الذي يسعد صاحب الحق هنا ولو فرضنا أن في هذا فائدة حاضرة على الدنيا ففيها الفساد على الدين بظهور الباطل وأهله فهناك مثلا من يسمح ببناء المساجد ويمنع الخمارات وهناك من يمنع المساجد ويسمح بالخمارات وهناك من يسمح بالجميع الأخير يكون أحسن حالا من الثاني ولكنه ليس أحسن من الأول والحكم بأنه أحسن فرع عن دعوى عدم صحة الدين بشكل يقيني وأنه قضية هامشية أو عدم تيقن ضرر الخمر وكلا الأمرين غير متحقق ثم إن هذه حيلة فمن قال أن العالمانية ليست دينا فالعالمانية تقول لك بِمَا أن المسلمون والنصارى مختلفون في المسيح فسأبيح الزنا الذي يحرمونه جميعا ! وبما أن الشيعي والسني مختلفان في الإمامة فسأعطل الحدود التي يؤمنان بها جميعا بحجة أن هناك في البلاد ملحد أو زنديق أو إباحي أو باطني فالحل الانتصار لمذهب الإباحيين بحجة حل النزاع بين السنة والشيعة !! بل الدين يصير كلأ مباحا فيأتي إنسان يستهزيء بأهل دين معين فينسب نفسه له ثم بعد ذلك يتكلم في دينهم بِمَا يناقض كل قواعده ويتفق علماء ذلك الدين على بطلان كلامه ويقيمون على ذلك البراهين ومع ذلك لا يناله أدنى ضرر ولكن يأتي إنسان وينتقد دين أقلية بالحجة والبرهان فيتهم بإثارة الفتنة ثم رسوم مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في بلد آخر توصف بأنها حرية رأي فباختصار قيم محلقة وتتناقض تطبيقاتها بين الشرق والغرب بحسب الضغوط الخارجية والهزيمة الثقافية ولو جئت مثلا للدعارة تجد دولا تمنعها مثل السويد بحجة أنها تخالف قيمهم وكذلك ما يسمونه زواجا مبكرا ثم إذا منع الزنا في بلد مسلم أقاموا عليهم الدنيا وما أقعدوها ثم يأتيك عالماني يقضي حياته في حرب التراث وتمجيد الغرب ثم إذا تكلم بأهدافه وجدتها تدور حول ذرائع الزنا ! هذه الشبهة المتهافتة أثرت على صنف من الحركيين وكثير من العوام الذين صار كلما رد إنسان سني على مبتدع قاموا عليه وقالوا : أنت تقدم خدمة للعالمانيين ، وإلى متى هذا التفرق وعلينا أن نتحد حتى نغلب الأعداء وغيرها من العبارات العاطفية الجياشة والواقع أن الرد على الملاحدة والعالمانيين لا يتوقف على توحد المنتسبين للإسلام بل هو متوقف على حجج متعالية تتفق عليها جميع الطوائف ثم لكل طائفة حججها الخاصة بحسب أصولها للرد على القوم والعالماني يطرح مذهبه بحيلته تلك كحل للخلاف بين الأديان جميعا فهل نترك تكفير أهل الأديان الأخرى ودعوتهم للإسلام لكي لا يفرح العالماني بدعواكم ، وتحت ضغط هذه الشبهة أنكر حد الردة وإذا كنت تريد إسكات أحد فأسكت المبتدع عن الكلام ببدعته والدعوة إليها ( وهذا شبه مستحيل ) والا فمن غير المعقول أن تطالب إنسانا بالسكوت عن نصرة عقيدته في الوقت الذي المقابل له يهاجم هذه العقيدة وينتصر لنقيضها فإذا كان إسكات المخالف مستحيلا وأمر السني بترك الدفاع ليس إنصافا كان هذا الطرح لا معنى له ومع الأسف هذه الطريقة كانت سببا في انتشار التشيع والتجهم في أماكن ما كانت تعرف فيها هذه المذاهب بسبب أن الناس ضعف تحصينهم تجاه هذه المذاهب بسبب هذا الطرح الحركي ثم هذا التشيع صار بوابة لخصومة سياسية وربما استباحة دماء فسبحان الله كان الامر مبدأيا لتحصيل منفعة دنيوية ثم صار بابا لذهاب الدنيا وهكذا كل من طلب منفعة بغير طريق الوحي والاتباع انقلب الأمر عليه وأما الدعوة للتعاون ضد المخالفين فنحن ربما استفدنا من جهود نصراني غربي في نقد الداروينية أو عالماني في بيان تحريف الكتاب المقدس فهل هذا يعني أن نترك تكفير النصارى مثلا ودعوتهم ؟ وكذلك البدع وإن لم تكن مكفرة فهي ذريعة للمكفرة وسبب في تحريف الشرع والعقوبة الأخروية لذا لا بد من مقاومتها ( فما بالك وكثير من جهودهم مقتبسة من أهل السنة أصلا ) علما بأن الحكم على هذه البدع بأنها غير مكفرة في كثير من الأحيان لا يكون حكما علميا وإنما عاطفي تحت ضغط الشبهة السابقة ثم ينتقى من المعطيات العلمية ما يوافق هذه العاطفة وتحت هذا الضغط لا تنتظر دقة علمية بل كثير من المخالفين الذين لا يريدون السكوت عن الدعوة لعقيدتهم يتخذون التقريب سلما للدعوة كما فعل الشيعة في بعض البلدان يقربون في النهار ويدعون الناس للتشيع في الليل بل هذه طريقتهم المعتمدة لكسر الحاجز النفسي مع المخالفين ثم الدخول عليهم واحدة واحدة وهذا الأسلوب أيضا يتبعه كثير من الصوفية نعم الخلافيات المحتملة بين أبناء العقيدة السنية الواحدة بالجملة ( يعني في التوحيد والإيمان والقدر ) لا ينبغي أن تعظم جدا وتدعو للمنافرة بينهم وإن كانت لا تقطع المناصحة ولكن أيضا لا يسقط هذا المعنى على العقائد المتنافرة جدا ( في التوحيد والإيمان والقدر )والتي أهلها يصف بعضهم بعضا بالشرك وكثير من الناس يخلطون بين المقامين بالعاطفة المحضة بل ربما عظموا خلافا سياسيا أو مصلحيا مع موافق عقائدي في الأصول الكبرى مع التسهيل مع المخالف العقائدي في الأصول الكبرى إذا طمعوا مجرد طمع بموافقته في مشاريع حركية فضلا عن إذا ما وافقهم فيها صراحة فما بالك وبعض من يُزعم أنه يحارب العالمانية المتوحشة هو داعية عالمانية متوسطة أصلا ومجرد انتسابه لمؤسسة أو حركة إسلامية لا يعفيه من هذا ثم تجد الناس يعاملونه وكأنه الإسلام المحض الذي سيكسر العالمانية والله المستعان ثم ننتهي إلى النقطة الأخيرة وهي ( أسلوب الرد ) هذه الخلافيات ليست وجهات نظر في مسابقة رياضية بل هي خلافيات عقائدية عمرها مئات السنين وكل إنسان ينتسب لمدرسة علمية هو يلتزم حجم هذه المسألة بحسب مدرسته فإذا رأوها عظيمة ويشنع على المخالف فيها التزم ذلك لأنه متبع ومقتنع بأدلة أئمته أن المسألة عظيمة ، وأما أن نضع لغة مقترحة للبحث متأثرة بضغط الشبهة السابقة وقيم الحداثة وعادة ما يكون مقترح هذه اللغة عاميا أو شبه عامي أو إنسانا ضغطته الشبهة السابقة فهذا أمر لا يستقيم لأن الخلاف ليس بذوقي ولا ذوقك بل تكلم فيه علماء كبار على مر العصور ، نعم الإنسان يرى الأسلوب الأنسب لعقل المخاطب ولكنه أيضا مطالب ببيان عظم شأن المسألة وقدرها عند السلف وحساسية الناس في باب الخطاب في زمن الإنسانوية لا تنضبط ومعاملة هذا ( الذوق ) معاملة الثوابت من ضعف الرأي وتضع المتكلم تحت ضغط شديد ربما أدى إلى الانفجار لاحقا والمرء يتحرى العلم والعدل والحكمة والبيان ولا شك غير أن المراد التنبيه على تناكد الناس في هذا الموضوع حتى صار موضوع الأسلوب أهم من البحث نفسه في كثير من الأحيان وذلك أن قدر الإنسان في زمن الإنسانوية هو أثبت الثوابت ولا يتزعزع لأي داعي سوى لقدر إنسان آخر وأما الوحي الذي سنحاسب على الإيمان به يوم القيامة فذلك قضية نظرية تحتمل الآراء والله المستعان