قال الله تعالى : ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَ
قال الله تعالى : ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)
قولهم : ( ما نفقه كثيرا مما تقول ) مغالطة بينة ليهربوا من البينات في كلامه
غير أنها أقوم مما يستخدم في زماننا عادة فإن المرء يعترف أنه فهم كلامك وتكون قد بنيته على أدلة وضمنته مقدمات ونتائج فتجده يكتفي بقوله : لم أقتنع .
هذا مسلك منتشر عند الكثير من الشباب - ذكورا وإناثا - يظن أن كلمة ( لم أقتنع ) دون أي تعليل يتبعها كافية في الجواب
وسبب هذا أن كثيرا منهم يخلط بين الأبحاث المبنية على أدلة سواء من الوحي أو من النظر أو من كليهما ، وبين الأمور الذوقية
فأنت لو عرض عليك طعام فقلت : لا أحبه أو تعافه نفسي .
لكان جوابا كافيا ولَم يطالبك أحد بالدليل أو الجواب على كلام من يحبه !
غير أن الأمر يختلف إذا تعلق الأمر بالأبحاث العلمية القائمة على الأدلة فإن مخالفتك لأدلة قول ما لا بد أن تكون ناشئة عن وجود معارض أقوى - وتبين لماذا هو أقوى - أو إيجادك ثغرات علمية في هذا القول أو الاستدلالات عليه
أو تعترف أنه ليس عندك أهلية لبحث هذه المسائل وساعتئذ لا يستقيم حديثك عن الاقتناع ، أو تطلب أن تنظر في الكلام أكثر وفِي أدلة الطرف المقابل لأنك لم تنظر في أدلتهم
وأما التصريح بأنك لم ( تقتنع ) ثم تسكت فهذا نظير قول قوم شعيب ( لا نفقه كثيرا مما تقول ) مع وضوح كلام شعيب وهذا مسلك سوفسطائي
والخلط بين ( الذوق ) أو ( الهوى ) و ( الاقتناع ) هو مسلك دارج في ثقافة العصر فتجد بعضهم يقول مثلا وهو يتحدث عن مسلمة لا تلبس الحجاب ( لا بد أن تقتنع بالحجاب أولا )
ولو تأملت في ( الاقتناع ) هنا لما وجدته بمعنى ما يقابل الشك في مشروعية هذا الفعل فهي مسلمة والحجاب معلوم من الدين بالاضطرار وإنما هو بمعنى ( القوة العملية ) يعني ألا تكون شهوة التبرج غالبة عليها ! فهذا هو الاقتناع المقصود
وهذا كله فرع عن تقديس أهواء البشر وتقديمها حتى على الوحي وهذا أصل الإنسانونية
ونشأ عن هذا الخلط التعاطف مع الكفار والزنادقة والمرتدين بحجة أنهم ( لم يقتنعوا ) فقد انتهى وجود شيء اسمه هوى أو مكابرة أو مماحكة أو إعراض عن الحق لأن هذا صار مندرجا تحت اسم ( الاقتناع ) ولا تثريب على المرء في ( قناعاته ) كما لا تثريب عليه فيما يحب من الطعام والألوان
وحتى الحديث عن المغالطات المنطقية الذي يطرب له البعض لا معنى له ففي النهاية ( المغالط ) له وجهة نظره بل من هو أشد من المغالط وهو الذي يدفع في الصدر بقوله ( لم أقتنع ) فقط لا تثريب عليه
فصار الكلام في القضايا الشرعية خاضعا إلى حد كبير للذوق ، وهذا الذوق مع كونه يتفاوت بين الناس قد يكون أيضا هوى كونته مدخلات هي أصلا مبنية على مقدمات مناقضة لأصل الدين لذا لا يصلح إلزام أهل الشرع بها
فكثير من الشباب الذين اعتادوا على مشاهدة العديد من المواد الإعلامية الغربية أو الشرقية المتأثرة بالغربية والتي كثير من مفرزاتها مبنية على فلسفات إلحادية مادية ( ولكنه لا يأتيك بالإلحاد صراحة في الغالب وإنما يأتيك بنتائجه ) أو نصرانية محرفة أو أفكار طوباوية
كانت هذه المواد سببا في تكوين الذائقة عندهم تجاه مجموعة من القضايا ولأنهم لا يفرقون بين الذوق والحجة إذا أخبرته أن الشرع يخالف هذه النظرة التي ألفها واستروحت إليها نفسه جابهك بقوله : لم أقتنع
والتي تعني : ما جاء الأمر على هواي!