إفادة حول إنكار المعجزات بالتأويلات
إفادة حول إنكار المعجزات بالتأويلات
قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مندة:
"التأويل عند أصحاب الحديث نوع من التكذيب". (نقله عنه ابن رجب الحنبلي في ذيل طبقات الحنابلة).
اشتهر بين طلبة العلم أن محمد رشيد رضا وشيخه محمد عبده (مدرسة المنار) كانا يميلان إلى تأويل العديد من المعجزات بما يجعلها أحداثًا عادية.
وكثيرون (وكنت منهم) يظنون أن المسلك المنحرف بدأ مع مدرسة المنار، ولكن يبدو أن الأمر قديم.
جاء في البدء والتاريخ للمطهر بن طاهر المقدسي (توفي في القرن الرابع الهجري):
"وقد جاء في الحديث حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وسبيل جميع ما ذكرنا سبيل معجزات الأنبياء والعلة فيه واحدة والحجة واحدة إلا أن المعول منها على ما صح وسلم فاما من يرفع عن مساعدة العوام لفرط جهله في مذاهبهم وجانب مواطأتهم فهو بين جاهر بإنكار هذه المعجزات رأسا وبين حامل لها على تأويل منحول مستنكر ولقد رأيت بعضهم يزعم أن تلقف عصى موسى عصيهم غلبهم بحجته حجتهم وكذا شعاع اليد وانفجار الماء من الحجر وحياة السبعين بعد موتهم فكل ذلك مثل لإصابتهم وجه العلم فيما طلبوا بعد ما كانوا ماتوا بالجهل وسمعت من يقول منهم أن موسى أرسل على فرعون ومن معه ذنبا من البحر فهلكوا في مناخهم كما فعلت القرامطة بابن أبي الساج مع تخليط كثير ووساوس".
وقد تصدى عديدون لنقض هذا المسلك المنحرف المخالف لكلام جماهير الأمة والإجماع القديم القطعي وظواهر الأخبار المتواترة.
ومِن أشهر النقاد مصطفى صبري، والذي تولَّى منصب شيخ الإسلام بحسب اللوائح العثمانية، له كتاب بعنوان [موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين] تناول فيه نقد محمد رشيد رضا وشيخه.
وكان نقده مبنيًّا على أسس من أهمها أن تأويل المعجزات وجعلها أحداثًا عادية يخرجها عن كونها معجزات، وبهذا لا تكون من خصوصيات الأنبياء.
وأن القدرة الإلهية لا يستحيل عليها شيء، فهو سبحانه الخلاق العليم، وخلق هذا الكون معجزة كبرى، فإذا كنا نعقل صنيع البشر في الاختراعات التي ما كان يخطر على أذهان المتقدمين وقوعها فما بالك بالقدرة الإلهية.
وأن هناك فرقًا بين المستحيل لذاته، وهو ما فيه جمع بين نقيضين لا يجتمعان، كقولك هذا فيل وهو أسد من كل وجه، وبين المستحيل لغيره، كقولك فيل يطير، فهذا متصوَّر وجوده في الذهن وممكن وجوده في الخارج (هذه الأمثلة من شرحي الخاص للتقريب).
وأن مسألة المعجزات عائدة إلى الإيمان بالله، فمن آمن بالله آمن بأنه على كل شيء قدير، ومن كفر بأصل وجود الله فهو كافر بقدرته، ولهذا من لا يؤمن بوجود الله أصلًا لا يجوز له أن يناقش بما يتفرع عن قدرة الله عز وجل، فإنه إذا ثبت له وجود الله ثبتت قدرته، وبهذا تثبت إمكانية المعجزات.
ما حصل لجماعة المنار فيه عبرة لمن يحاول الرد على الشبهات دون إرجاعها للأصول أو بالتسليم لأصل فاسد للمخالف.
غير أن هناك عبرة تتعلق بالرادِّين على المناريين..
الأداة التي استخدمها المناريون في إنكار بعض المعجزات أو كثير منها هي أداة (التأويل)، وهي في حقيقتها (التحريف)، وهي عين الأداة التي استخدمها الأشاعرة والماتردية والمعتزلة في باب الصفات.
=