هل اتفق الناس على مذهب ابن حزم في الصلاة على العصاة والفجار؟
هل اتفق الناس على مذهب ابن حزم في الصلاة على العصاة والفجار؟
للتو قرأت بحثا علميا لأحد المختصين في العقيدة في أمر الترحم على أهل البدع. ولأن البحث متعلَّقُه فقهي ويبدو أن ممارسة الكاتب في الفقه ضعيفة؛ وقع في بداية البحث إيهام عجيب، وقفت عنده متدبرًا، وقلت: سبحان الله هذه بداية البحث فقط.
أورد الكاتب كلامَ ابن القيم في جلاء الأفهام: "أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين". بعد نقله كلام ابن حزم: "مسألة ويصلى على كل مسلم، بر، أو فاجر، مقتول في حد، أو في حرابة، أو في بغي، ويصلي عليهم الإمام، وغيره - ولو أنه شر من على ظهر الأرض، إذا مات مسلما لعموم أمر النبي ﷺ بقوله «صلوا على صاحبكم» والمسلم صاحب لنا. قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}. وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}". وتَرَك من كلام ابن حزم ما فيه تشنيع على مخالفيه ووصفهم بأنهم قالوا على الله قولًا عظيمًا.
فيظن القارئ من مجموع النقلين أن مذهب ابن حزم مُجمَع عليه في أفضلية الصلاة على كل مسلم مهما كان حاله، وأن ذلك تحقيق الأخوة الإيمانية، ومفهوم هذا أن من لا يصلي أو يمتنع أو ينهى عن ذلك مخالفٌ للأخوَّة الإيمانية. هذا ما سيفهمه كل قارئ ويقول هذا الأصل وما سواه حالات عارضة فردية في ظروف معينة.
وأيُّ إنسان درس الفقه على أي مذهب من المذاهب المشهورة سيعلم أن ابن حزم كان في كلامه هذا يرُدُّ على أهل الحديث والرأي -خلا المذهب الشافعي-، وكلام ابن القيم لا علاقة له بكلام ابن حزم، فابن القيم كان يبحث في مسألة لغوية: هل الصلاة تساوي الرحمة؟
فأورد من وجوه عدم مساواة الصلاة للرحمة هذا الوجه: "أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء على ثلاثة أقوال سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى فعلم أنهما ليسا بمترادفين".
فابن القيم يقول بأن برهان عدم استواء الصلاة اللفظية (اللهم صلِّ على فلان) والرحمة هو جواز الترحم والخلاف في الصلاة، وهو هنا يقصد جنس الترحم ولا ينفي ذلك وجود حالات ينهى فيها عن الترحم.
فابن القيم نفسه يقول في زاد المعاد: "وكان من هديه ﷺ أنه لا يصلي على من قتل نفسه، ولا على من غل من الغنيمة. واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا، كالزاني المرجوم" ومعلوم أن مذهب الحنابلة أن كل إمام يقتدي بالنبي ﷺ في هذا.
وعودًا على كلام ابن حزم، فهو يقول أولًا: "مقتول في حد"، وهو هنا يُعَرِّضُ بالإمام مالك الذي اشتهر عنه أنه يقول أن من قتل في حد لا يُصَلِّي عليه الإمام، وجاء في المدونة: "فهل يُصلَّى على المرجوم ويغسل ويكفن ويدفن؟ قال: قال مالك: نعم، إلا إن الإمام لا يصلي عليه"، وقد وصفه ابن حزم بأنه أعظم على الله الفرية، وهذه جرأة من ابن حزم، فقول مالك هو قول الزهري، بل زاد الزهري النهي عن الصلاة على المرجوم لكل الناس.
واعتراض ابن حزم عليهم بأن الفاسق أحوج للصلاة عليه من غيره وأن ذلك من مقتضيات الأخوة الإيمانية، يجاب عليه بأن النبي ﷺ هو أرحم الخلق بالخلق وصلاته على الناس أعظم تكفيرًا للذنوب من غيرها ومع ذلك ترك الصلاة على بعض الأعيان، وهذا من باب تقديم المصلحة العامة وهي مصلحة حفظ الدين وزجر الناس عن الفعل المشين على مصلحة الفرد، ولهذا نظائر، فنحن نُقيم الحد على التائب (في غير الحرابة إن جاءنا قبل التمكن) حفاظًا على الشريعة العامة، ونُقيم الحد في النبيذ المختلف فيه زجرًا للناس، ونص ابن تيمية أن داعية البدعة يعاقب وإن كان في نفسه متأولًا، وكل هذه أمثلة على حفظ الشريعة العامة.
هذه حجة مالك من النظر، فما حجته من الأثر؟
قال ابن القيم في زاد المعاد: "وقال جابر: فصلى عليه، ذكره البخاري، وهو حديث عبد الرزاق المعلَّل، وقال أبو برزة الأسلمي: لم يصلِّ عليه النبي ﷺ، ولم ينه عن الصلاة عليه، ذكره أبو داود. قلت: حديث الغامدية لم يختلف فيه أنه (صلى عليها). وحديث ماعز إما أن يقال لا تعارض بين ألفاظه، فإن الصلاة فيه هي دعاؤه له بأن يغفر الله له، وترك الصلاة فيه هي تركه الصلاة على جنازته تأديبا وتحذيرا، وإما أن يقال إذا تعارضت ألفاظه، عدل عنه إلى حديث الغامدية".
فيبدو أن مالكًا بلغه خبر عدم صلاة النبي ﷺ على ماعز، ووجد أن عليًّا حين رجم شراحة ما صلى عليها، فبنى على ذلك، ووجد نظائر في السنة على ترك النبيِّ ﷺ الصلاة على بعض الناس وحمل حديث الغامدية على الخصوصيَّة، علمًا أن المرجوم حاله أحسن من حال كثير من العصاة، لأن الرجم كفارة، خصوصًا إذا كان هو من اعترف ولم يقم عليه الأمر بشهادة الشهود.
والمقصود أن الأمر ليس إجماعًا مبتوتًا به سواءً رجحنا هذا القول أم غيره، وأن ابن حزم تجاوز على الإمام مالك.
=