كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الرحمة بالخلق كما يفهمها الراسخون …

المصدر
الرحمة بالخلق كما يفهمها الراسخون … مفهوم الرحمة بالخلق مفهوم مرتبط بالحكم على المعين ، وقد مسه ما مسه في زماننا الذي ذَر فيه قرن الإنسانوية فتجد الكثير من الناس يحصر الرحمة باللين وعدم العقوبة ويشاهد في ذلك مصلحة الفرد فحسب لذا أعجبني ما كتبه بعض الفضلاء حيث عنون لبحثه بالرجم بقوله : الرحمة مع الرجم ، وذلك أن الرجم كفارة وحماية للمجتمع من هذه الشناعة التي لو انتشرت يترتب عليها شر عظيم غاية فمن الرحمة بالناس أن تضع أمام شهواتهم عقوبات شديدة تعينهم على أنفسهم وإذا رأوْا ذلك يقع بغيرهم كان أعظم لاعتبارهم وانزجارهم هذا يفهمه الكثير من الناس والحمد لله غير أن المغيب للأسف لاعتبارات حركية كوّن بعض العقوبات التي تقع على أهل البدع أنها رحمة بالخلق فإن البدعة يقود لها هوى وليس دائما الأمر شبهة وقد يقترنان والمصلحة العامة المترتبة على انزجار الناس من البدعة مقدمة على مصلحة نفس داعية البدعة التي قد يرى البعض المبالغة في الرفق معه أنجع قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (7/ 386) :" وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره إن من كان داعية الى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا وأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة فى الدين لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك ومذهب مالك قريب من هذا ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى فى الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة" لاحظ أن ابن تيمية يذكر هذه الإجراءات ويقول ( وإن كان في الباطن مجتهدا ) يعني عنده نوع تأويل وهذا في الداعية وذلك لحماية الناس وتقديم المصلحة العامة ورحمة به هو فإن ذلك أقل لوزره فالمرء لا يقع في البدع مع التمكن من العلم إلا من نوع هوى أو تقصير في طلب الحق ، وربما كان كثرة الأتباع صاداً له عن الرجوع بعدما يستبين الحق ويكون في بداياته متأولا ثم يصير معاندا لهذه العلة فهذه رحمة ولكن كما يفهم الراسخون لا العاطفيون كما أن الرحمة المهداة هجر الثلاثة الذين خلفوا وكان مآل ذلك رحمة لهم ولهذا قال بعض علماء السلف لمن تعجب من كلامه في بعض أهل البدع : أنا أرحم به من أمه وأبيه أنا أحميه من اتباع الناس . وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (24/ 286) :" وأما من كان مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر فهؤلاء لا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين. ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل ما فعله كما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال وعلى المدين الذي لا وفاء له وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع - كان عمله بهذه السنة حسنا. (وقد قال لجندب بن عبد الله البجلي ابنه: إني لم أنم البارحة بشما فقال: أما إنك لو مت لم أصل عليك) . كأنه يقول: قتلت نفسك بكثرة الأكل. وهذا من جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا فإذا كان في ذلك مثل هذه المصلحة الراجحة كان ذلك حسنا ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنا ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما. وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك ويؤمر به" كلام الشيخ هذا سيار في كلام المعاصرين ولكن بجزئه الأخير فقط( وكل من لم يعلم منه نفاق ) إلى آخر كلامه وعادة من ينقل هذا الكلام يوهم الناس أن مذهب الشيخ مشروعية الأمر بالصلاة على أهل البدع والكبائر والأمر بذلك دون تفصيل وليس هذا هو الواقع فكلام الشيخ يقول فيه أن ترك الصلاة على المعلنين بالبدع وأصحاب الكبائر زجرا للناس عن اتباعهم أمر جيد ، ولو أن الانسان دعا لهم بالباطن وامتنع عن ذلك في الظاهر جمعا بين المصلحتين لكان حسنا وواضح أنه يجعل الصلاة عليه والاستغفار والترحم بابا واحدا بدليل قوله ( ودعا له بالباطن ) وهذا جمعت هذا مع نص الشيخ السابق في داعية البدعة وعلمت أن ذلك كله في صاحب البدعة المفسقة فما بالك بالمكفرة ومن الخطير غاية أن نأتي في مثل الزمان إلى الممارسات المقابلة- والتي فيها نوع تسامح مع المخالفين - ونحصر الرحمة بها كما حصر عدد من الناس الرحمة بالعفو حتى أوصلوا الكثيرين إلى استقباح العقوبة الشديدة مطلقا ، وهكذا نفتح الباب للإساءة للسلف مع أن كلامهم وممارساتهم مبنية على استدلال ونظر عميق وخبرة بالخلق عجيبة =