من أحسن الكلام الذي وقفت عليه للمعلمي في ذم الرأسمالية وثقافة الاستهلاك.
من أحسن الكلام الذي وقفت عليه للمعلمي في ذم الرأسمالية وثقافة الاستهلاك.
قوله في رسالة حقيقة الاستفتاء في حكم الربا : الأحوال التي نعرفها
حاجة الطبقة الوسطى إلى القرض، وأعني بالطبقة الوسطى كل من له مورِدٌ لا يفضُلُ عن كفايته.
قد يكون للرجل مرتَّبٌ شهري يقوم بكفايته، ولكنه أراد التزوج أو السفر أو نحو ذلك مما لا غنى به عنه، فاحتاج إلى استقراض ما يكفيه لذلك، على أن يقضيه بعد ذلك مما يقتصده من مرتَّبه. وقد يكون للرجل حرفة، ولكنه ليس عنده رأس مالٍ، فاحتاج إلى استقراض ما يجعله رأسَ مالٍ ليحترف ويكتسب ويقضي. أو له حرفة تُدِرُّ عليه ما يكفيه، ولكنه أراد التزوج أو نحوه، فاحتاج إلى اقتراض ما يكفي لذلك على أن يقضيه بعد ذلك مما يقتصده من كسبه.
فهؤلاء يحتاجون إلى أخذ القرض، ولا يجدون من يُقرِضهم إلاَّ بربًا، أفلا يجوز لهم الأخذ بالربا؟
الجواب أنني قد سَبَرْتُ كثيرًا من أحوالِ هؤلاء، فوجدتُ أكثرهم يبذِّرون في ما يَرِد لهم من المال، ثم يستقرضون ويبذِّرون فيما يأخذونه قرضًا، ثم يماطلون في القضاء.
فالمصلحة في حق هؤلاء أن لا يرخَّصَ لهم في القرض أصلاً، لا بربًا ولا بدون ربًا، ليضطرَّهم ذلك إلى إصلاح أنفسهم. والترخيص في القرض بربًا هو الذي أفسدَ هؤلاء، فإن المسلم التقي يمتنع عن إقراضهم لما يعلمه من تبذيرهم، ولاستحيائه عن التوثق برهنٍ أو ضامنٍ، ولخوفه أن يحتاج في التقاضي إلى المخاصمة والمحاكمة.
وأما المُربِي فإن طمعه في الربا قد سلبه هذه الصفات، فهو يحب أن يكون المسلمون كلهم مبذِّرين، ليحتاجوا إلى الأخذ منه بالربا، ولا يستحيي عن التوثُّق، ولا يبالي بالمخاصمة والمحاكمة، لأنه قد اعتادها واستفاد في مقابلها الربا.
فالترخيص في الربا هو الداء العضال.
وقد رأيتُ حال المسلمين في الهند أكثرهم مبذِّرون، وأغنياؤهم يمتنعون عن الإقراض للأسباب السابقة، ويهودُ الهند (طائفة من الوثنيين يقال لواحدهم مارْوارِيْ) يُقرِضون بالربا ويتوثقون، فأصبحت أراضي المسلمين وبيوتهم وحُلِيُّهم تنتقل إلى المارواريين بسرعة مخيفةٍ. فقِصار النظر من المسلمين يرون الضرورة داعيةً إلى الترخيص لأغنياء المسلمين في الإقراض بالربا، حتى إذا انتقلت الأملاك من يد مسلمٍ فإلي يد مسلمٍ آخر. ولعل هذا مما حملَ صاحبَ الاستفتاء على ما قاله.
نتائج هذا العلاج:
1 - تبديل الشريعة.
2 - التعرض لغضب الله ومحاربته.
3 - أن يسلَّط على المسلمين ذُلًّا لا ينزعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم، كما جاء في الحديث
4 - إقرار الطبقة المتوسطة على تبذيرهم في المحرمات والملاهي والمعيشة والرسوم الفارغة.
5 - إقرارهم على الكسل والتواني عن طلب الحلال.
6 - إقرارهم على عدم الأمانة وإخلاف الوعد والمماطلة بالديون.
7 - إقرار أغنيائهم على عدم المعونة لمحتاجيهم بالقرض الحسن.
8 - لا يزال كثير من المسلمين يتورعون عن الاستقراض بالربا، وهذا العلاج يُبيحه لهم، فيحملهم على الإمعان فيه.
9 - لا يزال كثير من أغنياء المسلمين يتورعون عن الإقراض بالربا، ويقع منهم غيرَ قليل الإقراضُ بدون ربا. وهذا العلاج يبيح لهم الربا، فيوشك أن لا يُقرِضوا إلا به.
10 - كما أن الكفار هزموا المسلمين في ميدان التجارة لرضا الكافر بالربح اليسير، في حين أن المسلم لا يُرضيه إلا الربح الكثير، فسيهزمونهم في ميدان الربا، وبذلك يرتفع ما في هذا العلاج من تلك الفائدة المتخيلة.
11 - لا يزال كثير من الطبقة الوسطى يتورعون عن معاملة الكفار خوفًا من أن تنتقل بيوتهم وعقاراتهم إلى الكفار، ولهذا ينكَفُّ كثير منهم عن التبذير، فإذا أُبيح للمسلمين المراباة ارتفع هذا القدر، وأوشك أن يصبح خمسة وتسعون في المئة من المسلمين عالةً لا يملكون شيئًا.
12 - إذا أُحِلَّ الربا، وكانت نتيجته ما توقَّعه واضعُ ذلك العلاج أن تنتقل
أموال المسلمين إلى المسلمين، فيوشك أن يصبح خمسة وتسعون في المئة فقراءَ لا يملكون شيئًا، وخمسةٌ في المئة أغنياءَ، وهؤلاء الخمسة إن سَلِموا من المرض الحقيقي - وهو التبذير والكسل - لم يَسلَم منه ورثتُهم، بل يوشك أن يقتصر ورثتُهم على المراباة، ويَدَعُوا الزراعة والصناعة والتجارة، ويوشك أن يشتطُّوا في الربا فلا يُقرِضوا إلاَّ بربًا باهظ، ووراء ذلك الهلاك المبير.
النظر الشرعي:
المرض الحقيقي هو التبذير والكسل، والتبذير أخبثهما، ونتيجتهما الفقر، ثم ينشأ عن الفقر أمراض أخرى: كعدم الأمانة، وإخلاف الوعد، والمماطلة بالديون. ثم ينشأ عن هذه الأمراض مرض آخر، وهو امتناع الأغنياء عن إقراضِ المحتاجين قرضًا شرعيًّا أو مضاربتِهم مضاربةً شرعية. ثم ينشأ عن ذلك فقر جماعة المسلمين وتقاطعهم ثم هلاكهم.
والذي يرخِّص في الربا إنما نظر إلى أمر واحدٍ، وهو فقر جماعة المسلمين، وعلاجه هذا لا يُغني في ذلك أيضًا، وفوقَ هذا ففقر جماعة المسلمين إنما نشأ عن التبذير والكسل وتوابعهما، فالتَّبِعةُ عليهم.
=
=
ولا يُعقَل أن يكون التقصير منهم والغرامة على الشريعة، مع أن تحريم الربا من شأنه إلى حدٍّ ما أن يخفِّف وطأةَ المرض كما تقدم"
أقول: وهذا داء مستمر يحدثون البلاء ثم يقترحون تحريف الشريعة لسد الخلل الذي ترتب على إحداثهم ولا يزدادون إلا شرًّا حتى يعودوا إلى دينهم وما ذكره المعلمي من التبذير خصوصا في أمر الزواج وصل في وقتنا إلى حال عجب وإنك لا تعجب من تبذير الموسر وإنما تعجب من تبذير المعسر الذي ما تأهل إلا بالديون أو الاغتراب الطويل أو القروض الربوية.