لا تسموا العنب كرماً ولا الوثنية حضارة ولا التفسخ تقدما..
لا تسموا العنب كرماً ولا الوثنية حضارة ولا التفسخ تقدما..
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم».
وأصل الحديث في صحيح البخاري أيضاً وهو حديث مشهور اتفق العلماء على تصحيحه ولكن اختلفت ألفاظهم في توجيه معناه ومآلها إلى معنى متقارب؛ فقال كثيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تسمية العنب كرماً لأن من سماها بذلك من العرب كان يشير إلى الخمر الذي يستخرج من العنب وأنه يجعل الرجل كريماً.
وهذا له حضور في أشعارهم فترى قول الشاعر في الخمر:
تَرَى اللَّحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عليه لِما له فيها مُهينا
فقالوا كره النبي صلى الله عليه وسلم أن تمدح أم الخبائث بهذا المدح ونبه على أن الإيمان هو الذي يحمل المرء على الكرم حقيقة (وهذا معلوم في أمر الصدقات والزكوات والأوقاف).
هذا النهي من النبي صلى الله عليه وسلم ليس إنكاراً لكون الخمر قد تكون فيها هذه المنفعة فقد قال الله عز وجل: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}[البقرة]
ولكن لما كان هذا النفع اقترن به شر عظيم وعلم أن كل خير في الباطل لا بد أن يوجد له نظير في الحق على صورة نقية جاء هذا التنبيه النبوي.
وكذلك يمكن أن يقال قياساً مدح الوثنيات بأنها حضارات يشبه مدح الخمر بأنها كرم فهذه الحضارات كان فيها من الشرك والبلاء الشيء العظيم مما يحبط الأعمال الصالحة فكيف بمجرد منافع دنيوية.
والأمر نفسه في تسمية الدول التي كابرت الفطرة في أبواب عديدة (دولاً متقدمة) فما معها من خير اقترن بشر عظيم وتضييع الغاية من الخلق والمدح المطلق لها دون التنبيه على شرها يؤدي للاغترار وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم خشي على أمته الذين يعلمون شر الخمر من مدح أصل الخمر فما بالك بحالنا اليوم!
وأهل الإيمان أولى بكل وصف خير لأنهم حققوا الغاية التي من أجلها خلقوا فهم المتقدمون حقاً {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}[المدثر].
ومن هذا الباب نهي السلف عن توقير أهل البدع فهذا لا ينافي ذكر وثاقتهم في الحديث أو إتقانهم لأي علم ولكن المدح المطلق والتوقير المطلق يؤدي لاغترار الناس بهم.
قال السجزي في رسالته في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص313:
((فإذا تقدم واحد في هذه العلوم، وكان أخذه إياها ممن علم تقدمه فيها، وكونه متبعا (للسلف) مجانبا للبدع حكم بإمامته واستحق أن يؤخذ عنه ويرجع إليه ويعتمد عليه)).
وقال قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (1/333):
فصل: في بَيَان الْأُمُور الَّتِي يكون بهَا الرجل إِماما فِي الدّين وَأَن أهل الْكَلَام لَيْسُوا من الْعلمَاء:
وقال ابن تيمية في الاستقامة: (فإن هؤلاء المشايخ مثل أبى العباس القصاب له من التصانيف المشهورة في السنة ومخالفة طريقة الكلابية الأشعرية ما ليس هذا موضعه
وكذلك سائر شيوخ المسلمين من المتقدمين والمتأخرين الذين لهم لسان صدق في الأمة كما ذكر الشيخ يحيى بن يوسف الصرصري ونظمه في قصائده عن الشيخ على بن إدريس شيخه أنه سأل قطب العارفين أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلى فقال يا سيدي هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل فقال ما كان ولا يكون).
ولا يعني هذا أنه لا يستحق الإمامة أو الولاية إلا من كان معصوماً من الزلل فهذا لا يكون ولكن العبرة بحال الإنسان الغالب وأنه ما انتسب لفرقة بدعية أو وافق أصولها الكبار في قضايا واضحة لا اشتباه فيها.
ولا شك أن من صح علمه وسلم في أعظم أبواب الدين وهو باب العقيدة أولى بكل مدح مما تفنن في العلوم التي هي دون علم العقيدة فالنجاة في الآخرة أساسها سلامة المعتقد.
ولهذا قول البربهاري (واعلم - رحمك الله - أن العلم ليس بكثرة الرواية [والكتب] ، إنما العالم من اتبع العلم والسنن) هو لكلام العلماء السابقين كآخر الحديث بالنسبة لأوله ( فإن الكرم الرجل المسلم ) علماً أن في المسلمين بخلاء وفي الكفار كرماء ولكن العبرة بالأغلب وبالنافع في الآخرة وبما لم يقترن به ما يحبطه وبما يكون متسقاً مع الاعتقاد فإن اشتغل متكلم بالحديث فهو يخالف طريقة أعيان أصحابه ممن لا يعتقدون في الحديث هدى ويقتدي بمتقدمي أهل الحديث فلا يورد علينا كما لا يورد الكافر الكريم.
وهنا تنبيه في تقويم الأمور:
فقد نجد كافراً حليماً ولكن سبب حلمه طلب الجاه أو معرفته أنه على باطل أو كونه بارداً لا يوجد عنده شيء يوالي ويعادي عليه فلا غيرة فيه على عرض ولا دين.
فهذا حلمه من جنس كرم السكير أمر قد ينتفع به الناس ولكن له أضراره الجسيمة أيضاً وإذا نظرت إلى الأمور بهذه الطريقة انكشف لك الكثير مما تراه من التلبيسات وهذه من بركة السنة على العقل.