السحرة والشعراء!
السحرة والشعراء!
جاء ذكر سحرة فرعون في بداية سورة الشعراء، وبين الشعر والسحر مناسبة!
فقد ورد في الحديث: "إن من البيان لسحرًا".
والسحر يظهر فيه قلب الأشياء عن حقائقها، وكذلك في الشعر يصغر الكبير ويكبر الصغير ويرفع الوضيع ويوضع الرفيع بقوة البيان!
وأراد فرعون تصغير أمر موسى لما زعم أنه ساحر، ثم جاء له بسحرة يقابلون سحره - بزعمهم - بسحر.
وكذلك أراد الكفار تصغير أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما ألحقوه بالشعراء وكذلك ألحقوه بالسحرة.
وكان في نفس التهمة ما ينقضها في شأن موسى، ففرعون امتن عليه مبدأيًّا بأنه لبث فيهم وليدًا فهو يعرفه ويعرف سيرته، فلما غلب السحرة قال: "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر"، وكيف لم تعلم هذا والسحرة من رعيتك؟ وموسى نشأ في قصرك؟ فلا يحصل لهم اجتماع إلا ولَك له به علم، وقد كنت متشوفًا لنصر السحرة وتعدهم بالأجر والتقريب إن هم انتصروا، فأنت غير عارف بأن موسى كبيرهم!
ثم إنه ظاهر مباينة سيرة موسى لسيرتهم، فموسى واقف ضدك ولا يسألك أجرًا، والسحرة يطلبون منك الأجر والتقريب.
والأمر نفسه في شأن نبينا، لبث في قومه عمرًا ما عرفوا عنه سحرًا ولا شعرًا، ثم جاءهم بكتاب تحداهم به وتحدى أهل الكتاب أن يأتوا بمثله فعجزوا.
ثم سيرته مباينة لسيرة الشعراء الذين في كل واد يهيمون، أي يمدحون بالباطل لنيل المال ويذمون بالباطل للحمية وإذا مُنعوا.
والنبي صلى الله عليه وسلم وقف أمام المشركين وتعرض لأذى عظيم في نفسه وأهله وماله وأصحابه لا يثنيه ذلك عن دعوته.
وقد آمن له من الشعراء نحو ما آمن لموسى من السحرة.
ومنهم من كان المشركون يدعونه لهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ويهجوه ثم تاب الله عليه كأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وقد ثبت في حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قديمًا يهجوه، فهو بمنزلة سحرة فرعون الذين كانوا أعداء ثم انقلبوا إلى أولياء.
وقد اشتهر قوم فرعون بالسحر كما اشتهر العرب بالفصاحة والبيان خطابة وشعرًا، فجيء لكل منهم بآية تقهره في محل إتقانه.
علمًا أن موسى أقام الحجة العقلية على فرعون، فلما سأله فرعون: "وما رب العالمين"، أجابه بقوله: "رب السماوات والأرض وما بينهما"، يشير إلى أن فرعون غايته أن يملك قطعة من الأرض، فما بال السماوات وبقية الأرض ومن يسيرها؟
ثم قال: "ربكم ورب آبائكم الأولين" أي أن فرعون زمنه محدود تعلمون متى وُلد، وولادته افتقار، وآباؤكم مفتقرون، وهكذا يتسلسل الأمر حتى نصل إلى الغني الذي لا يفتقر إلى أحد ولم يلد ولم يولد، فإذا كان هو مختصًّا بالأولية والغنى والقدرة على الخلق فهو وحده المستحق للعبادة.
ثم قال: "رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون"، وهذه كحجة جده إبراهيم الخليل على النمرود، يعني هل فرعون يمكنه أن يغير الزمان ويجعل الليل نهارًا والنهار ليلًا بعكس مشرق الشمس أو مغربها؟
ثم بعد هذا استدل عليهم بآية اليد التي اتهمه فرعون بالسحر عليها بعدما سفسط على الحجج العقلية.
وهكذا كان يفعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يقيمون حجة على صحة عبادة الأصنام، وكلما أبان لهم النبي صلى الله عليه وسلم بطلانَ عبادة الأصنام وعجزوا عن تصحيح ذلك طالبوه بحجج على نبوته، ولو أنصفوا لعلموا أن هدايته لهذه الحجج العظيمة على التوحيد وبطلان عبادة الأصنام كافٍ في الدلالة على النبوة، غير أن رب العالمين زادهم كما زاد فرعون بهذا القرآن الذي إعجازه يشمل الألفاظ والمعاني وأبواب عديدة عجزوا عن مجاراة واحد منها!