الناظر في كلام الفقهاء المتقدمين وجد أنهم مع سعة العلم لا تخطئهم خصلتان مع العلم
الناظر في كلام الفقهاء المتقدمين وجد أنهم مع سعة العلم لا تخطئهم خصلتان مع العلم الشرعي
1_ تمام المروءة
2_ رجاحة العقل
وفي أمر رجاحة العقل خذ هذا المثال إن كان عندك مال وفي زمن فشت فيه السرقة وزاد فيه طمع أهل الزمان وضعفت ديانتهم أمام دواعي الجشع
هل تحفظ مالك في مكان يسهل الوصول إليه أم أنك ستحتاط احتياطاً ما كنت تحتاطه في الزمان القديم كما هو حال أهل زماننا في أمر حفظ الأموال
لا شك أن هذا الثاني هو الأوفق ونأخذ من هذا قاعدة معروفة عند كل عقلاء بني آدم ( كلما قويت دواعي الفتنة كلما زاد سد الذريعة )
وبهذا علل بعض أهل العلم النهي عن زيارة القبور في بداية الإسلام لما كان عهد الناس بالشرك قريب وكذلك بأمر النياحة ، وكذلك نهى عن الانتباذ بالأسقية لما كان عهدهم بالخمر قريب وكذلك النهي عن بيع السلاح في الفتنة
كان هذا حال الناس على مر التاريخ حتى جاء الناس في هذا الزمان فصار منهم من يرجح القول بحجة أنه أيسر وما ضابط اليسر عنده أو عندها أن الشهوات انتشرت وفشت !
فهذا المسلك يجمع ضعف العقل وقلة المروءة وكأن هذا المتكلم يقول خلوا بين الناس وشهواتهم !
وسأذكر كلام لفقهاء في المذاهب الثلاثة _ غير الحنابلة _ لما يشاع عنهم من الشدة كذباً
جاء في العناية شرح الهداية من كتب الحنفية :" وقوله: (لأنه) أي الغلق (يشبه المنع عن الصلاة) وهو حرام، قال تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] (وقيل لا بأس به) أي يغلق باب المسجد (إذا خيف على متاعه) في غير أوان الصلاة لاختلاف أحوال الناس بحسب اختلاف الزمان، ألا ترى أن النساء كن يحضرن الجماعات ثم منعن من ذلك وكان المنع صوابا، فكذلك إغلاق باب المسجد في زماننا والتدبير فيه إلى أهل المحلة فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليا بغير أمر القاضي يكون متوليا"
وفي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق :" قال - رحمه الله - (ولا يحضرن الجماعات) يعني في الصلوات كلها ويستوي فيه الشواب والعجائز وهو قول المتأخرين لظهور الفساد في زماننا وعند أبي حنيفة لا بأس أن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء والعيدين ويكره في الظهر والعصر والجمعة وقيل المغرب كالظهر لانتشار الفساق فيه والجمعة كالعيدين لإمكان الاعتزال وقالا يخرجن في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة لقلة الرغبة فيهن فصار كالعيدين وله أن فرط الشبق حامل فتقع الفتنة غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة، أما في الفجر والعشاء فهم نائمون وفي المغرب بالطعام مشغولون والمختار في زماننا المنع في الجميع لتغير الزمان ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها - لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها. والنساء أحدثن الزينة والطيب ولبس الحلي ولهذا منعهن عمر - رضي الله عنه - ولا ينكر تغير الأحكام لتغير الزمان كغلق المساجد يجوز في زماننا"
ولاحظ مثال غلق المساجد الكل يقر به بيد أن المثال محل نظر علماً أن الخروج إلى المساجد ليس من همة أكثر النساء اليوم للأسف وإنما الخروج إلى أماكن أخرى والمقصود أنهم جعلوا تغير سبباً لمزيد تشديد ولا أدري لماذا أهل هذا العصر تغير الزمان دائماً عندهم حجة في التيسير
وقال ابن الحاج في المدخل هو يتكلم عن دخول النساء للحمامات القديمة ( أماكن للاستحمام والتنظف الجماعي للنساء ) : وأما زماننا هذا فمعاذ الله أن يجيزه هو أو غيره لما تقدم ذكره من أن النساء باديات العورات كلهن ليس فيهن من تستتر، والسترة الشرعية عيب عندهن كما تقدم، وحمام الرجال قريب منه فيتعين على المكلف أن يتركه ما استطاع جهده.
وفي مواهب الجليل من كتب المالكية : والثالث: الفرق بين الشابة والمتجالة واعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء، أو من له مروءة، أو غيرة في الدين بجوازه انتهى.
وفي الإقناع للخطيب الشربيني : وقياس ما مر عن الأذرعي في الأمرد أن المرأة إذا خافت من حضورها ريبة أو تهمة أو قالة لا تجب عليها الإجابة وإن أذن الزوج والأولى عدم حضورها خصوصا في هذا الزمان الذي كثر فيه اختلاط الأجانب من الرجال والنساء في مثل ذلك من غير مبالاة بكشف ما هو عورة كما هو معلوم مشاهد ولابن الحاج المالكي اعتناء زائد بالكلام على مثل هذا وأشباهه باعتبار زمانه فكيف له بزمان خرق فيه السياج وزاد بحر فساده وهاج.
أقول : هذا كلام الخطيب الشربيني قبل خمسة قرون فما بالك والحال اليوم على ما يعرف الناس وظهور صور من الفساد ما كان يتخيلها أحد