كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

المسلم الذي نجا من محاكم التفتيش

المصدر
المسلم الذي نجا من محاكم التفتيش محمد بن عبد الرفيع بن محمد الشريف الحسيني الجعفري المرسي الأندلسي، سكن تونس وتوفِّيَ بها سنة 1052 هـ. له كتاب "الأنوار النبوية" وهو معتمد فيما يتعلق بوصف أحوال المسلمين في ظل محاكم التفتيش. في الأندلس وقد نقل خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام ما جاء بخط هذا العالم الأندلسي التونسي في نهاية كتابه ونصه: "وقع الفراغ من جمعه وتحرير فصوله وكتبه عشية يوم الجمعة الزهراء بحضرة تونس العلية الخضراء عام 1044 قال السيد محمد بن عبد الرفيع المرسي الأندلسي ( وقد هاجر إلى تونس ) في خاتمة كتابه المسمى بالأنوار النبوية: "ولما رأى العدو العزم منهم (أي من المسلمين) للخروج نقض العهد، وردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهرًا من الخروج". قال السيد محمد بن عبد الرفيع الجعفري أيضا : "ثم بقي العدو يحتال بالكفر عليهم، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامي والجماعات والحمامات؛ لأنها من عادات المسلمين فإن الفرنج لا يتخذونها والمعاملات الإسلامية مع شدة امتناعهم والقيام على العدو مرارًا، وعدو الدين يحرق بالنار مَنْ لاحت عليه أماراتُ الإسلام، ويعذبه بأنواع العذاب، فكم وكم عذبوا وكم نفوا من بلادهم". ووصف السيد محمد بن عبد الرفيع بعض أحوال المسلمين في خاصتهم فقال: "قد أطلعني الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدي رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام أو أقل مع أني كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام، فأخذ والدي لوحًا من لوح الجوز كأني أنظر الآن إليه مملسًا من غير طفل ولا غيره، فكتب لي فيه حروف الهجاء، ويسألني حرفًا حرفًا عن حروف النصارى تدريبًا وتقريبًا، فإذا سميت له حرفًا أعجميًّا يكتب لي حرفًا عربيًّا، فيقول لي حينئذ: هكذا حروفنا، حتى استوفَى لي جميعَ حروف الهجاء في كرتين. فلما فرغ من الكرة الأولى، أوصانِي أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعمي وأخي وجميع قرابتنا، وألا أخبر أحدًا من الخلق. ثم شدد علي الوصية، وصار يرسل والدتي إلي فتسألني وتقول: ما الذي يعلمك والدك؟ فأقول لها: لا شيء، فتقول: أخبرني بذلك ولا تخف؛ لأني عندي خبر بما يعلمك، فأقول لها: أبدًا ما يعلمني شيئًا. وكذلك كان يفعل عمي، وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتي الدار فيعلمني، إلى أن مضت مدة، فأرسل إلي من إخوانه في الله الأصدقاء يسألونني فلم أقر لأحد قط بشيء مع أنه رحمه الله قد ألقى نفسه للهلاك لإمكان أن أخبر بذلك عنه فيُحرَق لا محالة، لكن أيدنا الله سبحانه وتعالى بتأييده وأعاننا على ذكره وشوشكره وحسن عبادته بين أظهر أعداء الدين. وقد كان والدي رحمه الله تعالى يلقنني حينئذ ما كنت أقول عند رؤيتي للأصنام. . . إلخ. فلما تحقق والدي رحمه الله تعالى أني أكتم أمورَ دين الإسلام عن الأقارب فضلًا عن الأجانب، أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وعمي وبعض أصحابه والأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون في أمر الدين وأنا أسمع. فلما رأى حزمي مع صغر سني فرح كثيرًا غاية [الفرح]، وعرفني بأصدقائه وأحبائه وإخوانه في دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدًا واحدًا، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار من جبان إلى غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام. فتخلص لي من معرفتهم أني ميزت سبعة رجال منهم كانوا كلهم يحدثون بأمر غرناطة وما كان بها في الإسلام حينئذ، فسندي عال لكوني ما ثَمَّ إلا واسطةٌ واحدة بيني وبين أيام الإسلام بها". أقول : قصة والد السيد محمد وتعليمه إياه الإسلام مع خطورة ذلك عليه مشجية وفيها عبرة عظيمة من عدة وجوه أولها : أن فيها أن المسلم لا ييأس في زمن الاستضعاف ويفعل ما يستطيع فعله فإن كثيرا من الناس الْيَوْم يدب إلى قلوبهم اليأس بمجرد حصول شيء من الاستضعاف وذهاب التمكين المرجو ويصير المرء منهم يائسا أمام هذا الوضع تماما محتقرا لما يمكنه فعله من المعروف بحجة أنه لن يصلح جذريا وأن الأمور لا بد أن تكون في ظل تمكين وتلك حيلة شيطانية انطلت على كثيرين فمع مخالفتها لنص الشارع ( لا تحقرن من المعروف شيئا ) فهي أيضا مخالفة للسنن الكونية إذ أن التمكين هو ثمرة تراكم ذاك العمل المستقل في أزمنة الاستضعاف =