قال المعلمي في رسالة في التعقيب
قال المعلمي في رسالة في التعقيب
على تفسير سورة الفيل
للمعلم عبد الحميد الفراهي: " لا حاجة إلى سياق عبارته، بل أذكر ما عندي، وأنبه على ما يخالفها من كلامه، وأبين ما فيه.
قرّع الله عزَّ وجلَّ في سورة التكاثر عباده بأنه ألهاهم التكاثر في الأعداد والأموال والأولاد والعزة والجاه وغير ذلك من الأغراض الدنيوية عن الآخرة، وأكد إنذارهم بالآخرة وعذابها.
ثم دعاهم في سورة العصر إلى تدبر ما مضى في العصور من أحوال الأمم كعاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم، فإنها واضحة الدلالة على أن الناس كلهم خاسرون، إلا من لم يلهه التكاثر عن الآخرة؛ وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر.
ثم أعلن في سورة الهمزة بهلاك كل من ألهاه مكاثرة الناس في الفخر والمال، واستعان على الأول بكثرة الهمز واللمز للناس، لينقصوا في العيون، ويكثر هو؛ وعلى الثاني بجمع المال وتعديده، ألهاه ذلك عن الآخرة، حتى كأنه يحسب أنَّ ماله مُخْلِدُه ولا بد. فزجر الله عزَّ وجلَّ من كان كذلك، وتوعده بالعذاب الشديد في الآخرة. والكلام في هذه السور الثلاث كلُّه على العموم، وفي سورة الهمزة: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ...} ولا أصرح في العموم من كلمة "كل". ولا ينافي ذلك ما روي أنها نزلت في أبي بن خلف، أو أخيه أمية، أو جميل بن عامر، أو الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، وغير ذلك؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وقد ساق ابن جرير بعض تلك الأقوال، ثم روى عن مجاهد أنه قال: "ليست بخاصة لأحد". ثم قال ابن جرير: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عمّ بالقول كلَّ همزة لمزة, كلَّ من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها سبيله، كائنًا من كان من الناس" .
ثم ذكر الله تعالى في سورة الفيل يومًا من أيامه التي تقدمت الإشارة إليها في سورة العصر، كأنه قال: هب أيها الإنسان أنك لم تسمع، أو لم توقن بأيام ربك في عاد وثمود وغيرهم مما تقادم عهده، فهذا يوم قريب، قد علمه كل أحد، وهو واقعة أصحاب الفيل. ألم تعلم كيف فعل ربك بهم؟ أوَلا يردّك عن الاغترار بما تُكاثِر به أنه لم يُغْنِ عنهم كثرةُ عَددهم، وعُددهم، وشدةُ كيدهم؟ أوَلا تخاف أن يعذبك ربك بذنبك، كما عذبهم بذنبهم؟
والخطاب يتناول أهل مكة عمومًا كما هو ظاهر، وخصوصًا لوجوه:
الأول: لأنهم أول من تليت عليه السورة.
الثاني: أن الواقعة كانت أمام أعينهم.الثالث: أن ذنبهم أشبه بذنب أصحاب الفيل، وأشد منه. فإن ذنب أصحاب الفيل هو أنهم عمدوا لهدم البيت الحرام انتهاكًا لحرمته، وصدًّا عن عبادة الله فيه. ومن ذنب أهل مكة: انتهاك حرمة البيت بما نجسوه به من رجس الأوثان التي نصبوها في جوفه، وعلى ظهره، وحواليه؛ وأشركوا بالله فيه، وسعوا في خرابه بمنع أن يعبد الله فيه.
ففي "الصحيح" من حديث أبي هريرة قال: "قال أبو جهل: هل يعفّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم! فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، أو لأعفّرنَّ وجهه في التراب! قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه .. " ( ثم ذكر حديث سلا الجزور )
الرابع: أن في واقعة الفيل منة لربهم عزَّ وجلَّ عليهم، نالتهم بسبب هذا البيت. صرف الله عزَّ وجلَّ أصحاب الفيل أن يدخلوا مكة، ويهدموا البيت،فكان لقريش بذلك شرف وفخر.
قال ابن إسحاق: "فلما ردَّ اللهُ الحبشة عن مكة، وأصابهم بما أصابهم به من النقمة، أعظمت العرب قريشًا، وقالوا: [هم] أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم مؤنة عدوهم" .
وكان من تمام النعمة أن الله تبارك وتعالى لم يحوجهم إلى قتال، بل ثبطهم عنه، لئلا تنتقض مؤالفتهم لليمن والحبشة، فتنقطع تجارتهم. بل لا بد أن يكون بعد ذلك إعظام وإجلال لهم من ملوك الحبشة في الحبشة واليمن، فكان ذلك زيادة في تسهيل تجارتهم.
ولهذا - والله أعلم - عقب الله هذه السورة بسورة قريش، فامتنَّ عليهم فيها بما يسَّره لهم من الإيلاف لرحلة الشتاء والصيف إلى اليمن والحبشة وغيرها
فقد اتضح بما قدمناه أن عمود السورة هو تهديد العصاة الذين ألهاهم التكاثر عن الآخرة، ولم يعتبروا بأيام الله تعالى في العصور، فلم يؤمنوا، بل تشاغلوا بهمز الناس ولمزهم، وجمع المال وتعديده؛ وخاصة أهل مكة الذين كان ذنبهم شبيهًا بذنب أصحاب الفيل، وأشد منه كما مرَّ. واتصل بهذا التهديد الامتنان على أهل مكة كما علمت. فبالتهديد ارتبطت السورة بما قبلها، وبالامتنان ارتبطت بما بعدها
أقول : وهذا تدبر حسن