=
=
فقال الشيخ كما في الفتاوى الكبرى (6/144) معلقاً على حديث (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فئة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال) بعدما بين النقد الإسنادي عليه:
«فإسناده في الظاهر جيد إلا أن يكون قد اطلع فيه على علة خفية ومعناه شبيه بالواقع.
فإن فتوى من مفت في الحلال والحرام برأي يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء، وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره، فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير».
ولاحظ الحديث الذي تكلم عليه الشيخ هو الذي أورده الشاطبي.
فكرة أن الأشاعرة والماتردية لا يلتقيان وأن مسألة التحسين والتقبيح العقليين أصل هذه تعني تبديع الماتردية!
وفكرة أن البدع العملية أمرها شديد وأن كثرة المخالفة في الجزئيات تأخذ مأخذ المخالفة في الأصول وأن أصحاب البدع العملية ومن يحلون الحرام ويحرمون الحلال بالهوى والشبهات الضعيفة داخلون في الفرق الهالكة تعني تبديع عامة الصوفية!
وبالتالي يكون بناء على تقرير الشاطبي عامة الأشاعرة والماتردية في زماننا مبتدعة وعليه يكون الشاطبي مع أشعريته موافقاً لمن يسمون السلفية المعاصرة في تضليل القوم ولهذا عنايتهم بكتبه أعظم من عناية القوم (مع أنهم يخالفونه في قضايا كثيرة ومنها التحسين والتقبيح العقليين).
وتطور المذهب الأشعري والذي يجعل عدداً من أعيان متأخريهم يقذعون في متقدميهم الذين نقلوا أموراً تحرج المتأخرين ليس جديداً إذ لما نقل عياض عن بعض الأشعرية إثبات العلو لله عز وجل بقيود ذكرها:
قال البرزلي في نوازله (6/199):
«وأنكر شيخنا الإمام عليه ما نقله عن بعض الأشعرية إنكاراً شديداً ، وقال لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم وسمعته يقول : القاضي ضعيف في علم الأصول ، ويعرف ذلك من تواليفه
، وكان عالماً بالأحاديث ورجالها وضبطها ولغاتها مقدما في ذلك فلا يلتفت لنقله عن أهل الأصول في هذه المسألة».
ثم رد البرزلي على شيخه وقال:
«وما نقله عن بعض الأشعرية حكاه ابن بزيزة في شرح الإرشاد عن القابسي في مسائل الأشعرية وعن البخاري وغيره».
وقال القرطبي في الأسنى ص198:
«وإنما حملني على ذكر هذا ، لأن كثيراً من الأصوليين وجهلة المتفقهين يتأول على أبي عمر ( يعني ابن عبد البر ) أنه حشوي قاعد ومجسم ظاهر ، حتى أن بعض أشياخي أخبرني عمن لقيه أنه كان يقول : ينبغي أن تقطع تلك الأوراق من كتبه أو تطمس ، وهذا كلام تحامل لا يصدر إلا عن تجاهل بما قالته العلماء قبله ، وسطرته في كتبها الأئمة الفضلاء ، وإنما كان عليه أن يبين ويوضح ويعلم .
هذا الترمذي أبو عيسى قد ذكر في كتابه عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث يريد أحاديث الصفات أقروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة».
أقول: شيخ البرزلي وشيوخ القرطبي يشبهون علي جمعة ويدركون خطورة ما نقل القاضي عياض (وهو أشعري) وما نقل ابن عبد البر وهو ليس أشعرياً
فالناس مائلون فطرة لاعتقاد علو الله عز وجل على خلقه فإذا عضدت هذه الفطرة ظواهر النصوص قويت أسباب هذا الاعتقاد فإذا علم المتفقه أن المتقدمين على هذا المذهب كما ادعى البرزلي على البخاري ودعواه صحيحة وادعى القرطبي على الترمذي ودعواه صحيحة تمسك بهذا وضلل من خالفه.
خصوصاً وأن الترمذي الذي أحال عليه القرطبي كان يقول: وقالت الجهمية اليد القدرة . وهذه مقالة متأخري الأشعرية بل يقول الترمذي:
«فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.
وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد، وسمع، وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}».وهذا الكلام وكأنه يرد على متأخري الأشعرية بوضوح
وقال ابن رشد في فصل المقال ناعياً على الأشعرية نشرهم عقيدتهم المشوشة التي سببوا فيها فتناً عظيمة:
« فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلهم للجمهور، وكذلك فعلت الأشعرية، وان كانت أقل تأويلاً. فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق».
فابن رشد يرى أن طريق الألفة والاتفاق ترك تأويلات القوم ومذاهبهم الشاذة عن جماهير بني آدم وقد أغلظ فيهم المقال جداً في كتابه هذا ومنطلقه في ذمهم ليس شرعيا بل باطني .