كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مبحث في تعيين شخص بعينه بالولاية

المصدر
مبحث في تعيين شخص بعينه بالولاية هذا باب تتداخل فيه مسائل العقيدة مع مسائل الفقه ولا ينتبه إليه كثيرون، وهو قولهم (فلان ولي لله عز وجل)، ويفرِّعون عليه فروعًا فقهية كقولهم بجواز التبرك بفضل طعام الولي وجواز شد الرحال إلى قبره ويقولون يُكرَه زيارة القبور للنساء إلا قبور الأولياء ويبحثون في فعل الولي للصغيرة. وهذه الفروع لا تجدها في كتب المتقدمين. قال أبو زرعة العراقي في تحرير الفتاوى (3/256): "وكذلك ما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "قواعده": أنَّه إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى.. لا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم، وتستر زلتهم، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ولم يعلقه الشَّافعي بالأولياء؛ لأن ذلك لا يطلع عليه". وتبعه الشربيني في مغني المحتاج. يقصد أبو زرعة العراقي أننا لا يمكن أن نعرف أن فلانًا هذا ولي أو ليس وليًّا فهذا أمر راجع للبواطن ولا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى. ويبدو أن التوسع عند المتأخرين بأن فلانًا ولي وفلانًا ولي ناشئ عن اعتقاد المرجئة. قال محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: "702 - وقال عبد الله [يعني ابن المبارك] إن المرجئة يقولون: حسناتنا متقبلة، وأنا لا أجترئ عليه، ولا آمن أن أخلد في النار، ويقولون هي في الجنة، ويقولون: إيماننا مثل إيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل، كيف أجترئ أن أقول مثل ذلك، وبلغني أن إسرافيل قدماه تحت الأرضين السابعة على الصخرة التي عليها قرار الأرض، وقد نفذ جميع السماوات والعرش على كاهله". فالمتأخرون لمَّا دخل عليهم الإرجاء من باب علم الكلام تساهلوا في إثبات الولاية للأشخاص ورتبوا على ذلك أحكامًا، علمًا بأن التبرك بفضل الطعام لا يجوز حتى للأولياء الذين ثبتت ولايتهم، ولا يجوز شد الرحال حتى لقبور الأنبياء، غير أنني أردت التنبيه على مدخل الإرجاء في التوسع في دعوى أن فلانًا ولي لله. وفي عقائد أهل السنة أنه لا يجوز أن يشهد لمعين من أهل الإسلام بجنة ولا نار، والشهادة لرجل مات بالولاية هو شبه الشهادة له بالجنة، فالولي لله لا مكان له إلا الجنة. وبعض الناس يتسامح فيمن يدعي انعقاد الإجماع عليهم، والإجماعات في الأزمنة المتأخرة لا تنضبط، وكل طائفة تزعم شيئًا من هذا في بعض معظَّميها، فالمرء يقف عند الاعتقاد السني. قال ابن أبي شيبة في المصنف: "23 - حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني لقيت ركبا فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن المؤمنون، قال: فقال: ألا قالوا نحن من أهل الجنة". وهذا إسناد صحيح إلى عبد الله وهو ابن مسعود، ومأخذ كلام ابن مسعود أن من قالوا (إنا مؤمنون) ولم يستثنوا -أيْ يقولوا إن شاء الله- فكأنهم يقولون: عمَلُنا متقبَّل، فقال لهم: ألا قالوا نحن من أهل الجنة. وهذا نظير قول من قال (فلان ولي لله) وقد أُمِرنا إذا مدحنا إنسانًا أن نقول (نحسبه كذلك والله حسيبه). قال الخلال في السنة: "1067 - وأخبرني الحسن بن عبد الوهاب، قال: ثنا أبو بكر بن حماد المقرئ، قال: وأخبرني بعض أصحابنا، قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: "لو كان القول كما تقول المرجئة: إن الإيمان قول، ثم استثنى بعد على القول لكان هذا قبيحا، أن تقول: لا إله إلا الله إن شاء الله، ولكن الاستثناء على العمل"". يريد أحمد ابن حنبل أن الاستثناء يقع على العمل وإن جئنا به ظاهريًّا ولكن لا ندري هل قُبِل أم لا.