كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل المذهبية تساوي: لا إنكار في مسائل الخلاف؟

المصدر
هل المذهبية تساوي: لا إنكار في مسائل الخلاف؟ من الأمور التي لاحظتها عند بعض النشطين في الدعوة للمذهبية أنهم يوصلون للقاريء فكرة أن الإنكار في مسائل الخلاف خصوصية عند غير المذهبيين أو جماعة من السلفية المعاصرة. وأن المتمذهبين لا ينكرون على غيرهم في مسائل الخلاف، فالحنبلي لا ينكر على الحنفي، ولا المالكي على الشافعي وإنما ينكر التلفيق أو الخروج عن كل المذاهب، وقلة منهم ينبه على إشكالية تتبع رخص المذاهب، بل بعضهم للأسف يروج للمذهبية عن طريق نشر رخص كل مذهب! وتضييق دائرة الإنكار أمر مطلوب في الثقافة العصرية، فهم يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وصاية) وتدخل في خصوصيات الناس، وإذا خير إنسان متغذ بالثقافة العصرية بين القول بالإنكار في مسائل الخلاف وعدم الإنكار، لاختار الأولى، لا من خلال النظر بالأدلة ولكن لأن الأولى أنسب مع الثقافة العصرية. وهي خطوة جيدة لكسر شدة المتشدد (في نظرهم) ثم بعد ذلك يأخذونه خطوة خطوة إلى (أنت حر ما لم تضر) فإن قال قائل: هل تريد تشويه قول من يقول (لا إنكار في مسائل الخلاف) عن طريق تشبيهه بالليبرالية مع أنهم أصلاً يقولون بالإنكار في مسائل الإجماع؟ فيقال: ليس هذا المراد، فحقاً هم ينكرون في مسائل الإجماع، ولكن بعض من لا خَلاق لهم ينتفعون بهذا القول ويدعمونه لهذا الداعي بصفته مرحلة انتقالية، ثم إن هذا القول أصلاً مبني على أصل فلسفي، يلتقي من بعض الوجوه بالأصل الفلسفي القائل بنسبية الحقيقة أو تكافؤ الأدلة. فإن قيل: كيف هذا؟ فيقال: قبل أن نشرح الأمر لا بد من التنبيه على أن المسائل الفقهية الخلافية على نوعين، نوع فيه خلاف قوي، فهذه تسمى اجتهادية، وهذه التي لا ينكر فيها مقلد على مقلد، وإنما يدور فيها الحوار والأخذ والعطاء بين المتأهلين. وهناك المسائل التي الخلاف فيها ضعيف، فهذه ينكر فيها الإمام والمتأهل، بل ويرشدون من يقلدهم -بعد تعليمه الدليل- إلى الإنكار على أصحاب القول الضعيف. هذا في قول من يقول بالإنكار في مسائل الخلاف. يرى ابن تيمية أن قول من قال (لا إنكار في مسائل الخلاف) عائد إلى أصل عقدي في استفادة البراهين من العقل فقط، ولما كانت المسائل الفقهية إنما تستفاد من الأدلة الشرعية، وعامتها ظني، كان الأمر هكذا لا إنكار في مسائل الخلاف. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (19/ 143): "فذهب فريق من أهل الكلام مثل أبي علي وأبي هاشم والقاضي أبي بكر والغزالي إلى قول مبتدع يشبه في المجتهدات قول الزنادقة الإباحية في المنصوصات، وهو أنه ليس لهذه الحادثة حكم عند الله في نفس الأمر وإنما حكمه في حق كل مكلف يتبع اجتهاده واعتقاده، فمن اعتقد وجوب الفعل فهو واجب عليه، ومن اعتقد تحريمه فهو حرام عليه، وبنوا ذلك على مقدمتين: إحداهما: أن الحكم إنما يكون بالخطاب فما لا خطاب فيه لا حكم لله فيه فإذا لم يكن للعقل فيه حكم إما لعدم الحكم العقلي مطلقا أو في هذه الصورة علم أنه لا حكم فيه يكون من أصابه مصيبا ومن أخطأه مخطئا. الثاني: أنه قد علم أن من اعتقد وجوب شيء فعليه فعله، ومن اعتقد تحريمه فعليه اجتنابه، فالحكم فيه يتبع الاعتقاد. قالوا: والأحكام الشرعية تختلف باختلاف أحوال المكلفين في اجتهاداتهم وغير اجتهاداتهم بدليل اتفاق الفقهاء وأهل السنة على أن الاجتهاد والاعتقاد يؤثر في رفع الإثم والعقاب كما جاءت به النصوص، وأن الوجوب والتحريم يختلف بالإقامة والسفر والطهارة والحيض والعجز والقدرة وغير ذلك، فيجوز أن تختلف الأحكام باختلاف الاعتقادات ويكون الحكم في حق المجتهد عند عدم النص ما اعتقده. هذا ملخص قولهم. وأما السلف والفقهاء والصوفية والعامة وجمهور المتكلمين فعلى إنكار هذا القول وأنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف بل هو مخالف للعقل الصريح حتى قال أبو إسحاق الإسفراييني وغيره هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة" أقول: هنا ابن تيمية لا يتكلم عن مطلق المسائل الخلافية، بل يتكلم عن المسائل التي لا نص فيها، وذكر أن طائفة من أهل الكلام ذهبوا إلى أن هذه المسائل الحق فيها يتبع الاعتقاد، بمعنى أنه لا يوجد فيها حق موضوعي عند الله عز وجل. ولاحظ أن ابن تيمية قال أن قول هؤلاء المتكلمين هو نظير هو قول الزنادقة الإباحية في المنصوصات، والزنادقة الإباحية وارثهم اليوم العالمانية، الذين يقولون في كل خلاف ولو كان فيه دليل (وجهات نظر) و (لا أحد يحتكر الحقيقة) وهكذا. وكون هذا القول سفسطة لأن الأقوال المتناقضة لا تكون كلها حقاً إلا إذا كان الخلاف لفظياً (وفي الخلاف اللفظي لا تناقض) وفي الحديث (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب له أجران) فعلم أن هناك حقاً. وقد جاء بعض الناس وعمموا هذا القول على كل الفقه الخلافي حتى لو كان في المسألة نص وقالوا (كل مجتهد مصيب) وبنوا على هذا القول بأنه لا إنكار في مسائل الخلاف. = = قال السعد التفتازاني في شرح المقاصد في علم الكلام (2/ 246): "ليس لمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف؛ إذ كل مجتهد مصيب في الفروع عندنا، ومن قال: إن المصيب واحد، فهو غير متعين عنده، وذكر في محيط الحنفية أن للحنفي أن يحتسب على الشافعي في أكل الضبع، ومتروك التسمية عمدًا، وللشافعي أن يحتسب على الحنفي في شرب المثلث، والنكاح بلا ولي". فتأمل كيف أنه أرجع الأمر إلى مبحث كلامي (هل المصيب واحد) أو الحق يتعدد، وهذا عين كلام ابن تيمية في أن قاعدة (لا إنكار في المسائل الخلاف) عائدة إلى مبنى عقدي كلامي، وليست مسألة أصولية فقهية محضة. والمرء إذا قال بتكافؤ الأدلة في الفقهيات فإن هذا يفتح الباب عليه في المسائل الأخرى الأكبر، ولهذا قال من قال (وآخره زندقة). لأن المسائل العملية قد يكون فيها الدليل ظاهراً وقوياً، ويكون بعض الأئمة زل لعدم بلوغ الأدلة له، ولا يجوز تقليده مع احترامه، وهذا يقع في المسائل العلمية والعملية معاً. ومن هنا نقد ابن تيمية تقسيم المتكلمين للدين لمسائل أصول وهي العلمية، وفروع وهي العملية. ثم تجد قائلهم يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف، ويعني العملية، وبعض هذه المسائل يضاهي مسائل علمية قوة، ولهذا تجد في بعض كتب المتقدمين في العقيدة ذكر مسائل فقهية قوي دليلها وإن خالف فيها فاضل، فتلك زلة عالم لا تتبع. قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (6/96): "وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار، إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء". هنا الشيخ بيّن ببراعة أنه لا يمكن أن يجتمع تقليد أحمد والشافعي ومالك والقول بأنه لا إنكار في مسائل الخلاف، لأنهم يرون الجلد في النبيذ المختلف فيه، وذلك من أشد الإنكار وقد انتبه لهذه النكتة العلمية تلميذه ابن مفلح. قال ابن مفلح في الآداب الشرعية معلقاً على قول من يقول لا إنكار في مسائل الخلاف من الحنابلة: "وهذا الكلام منهم مع قولهم يحد شارب النبيذ متأولا ومقلدا أعجب، لأن الإنكار يكون وعظا وأمرا ونهيا وتعزيرا وتأديبا وغايته الحد، فكيف يحد ولا ينكر عليه أم كيف يفسق على رواية ولا ينكر على فاسق؟". وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أربع قواعد تدور عليها الأحكام: "إن أراد القائل مسائل الخلاف كلها، فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائنًا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان اللَّه بعث محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ يُنبه على خطئه، وينكر عليه. وإن أُريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح، لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء؛ لكونه مخالفًا لمذهبه، أو لعادة الناس". وهل هذا التأصيل من مفاريد ابن تيمية؟ تقدم معنا كلام التفتازاني وأمر النبيذ مشهور في كتب المذاهب، وسأزيد نقولات عن مذهبيين معتمدين عند المخالف: قال النووي في المنهاج (2/23): "لم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم -رضي اللَّه عنهم أجمعين - ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتى ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا". تأمل القيد (إذا لم يخالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا) فمعناه إن وجدت واحدة من هذه جاز الإنكار. وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: "والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعًا عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا، واستثنى القاضي في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف، وإن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا". والعجيب من أصحاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي جعلوا كلام أبي يعلى مناقضاً لكلام النووي، وليسا متناقضين. = = وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: "وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في إنكاره، إلّا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النَّسَاء المتفق على تحريمه، فهل يدخل في إنكاره بحكم ولايته أو لا؟ على ما قدمناه من الوجهين". وتأمل في كلام الماوردي وأبي يعلى أن مسائل الخلاف عندهم لا تحصر في المذاهب الأربعة، بل كل قول لمجتهد معتبر يعتبرون خلافه. وهنا نجد المذهبيين المعاصرين ممن يدعون إلى تكافؤ الأدلة في خلافيات الأربعة متناقضين، فالمسائل الخلافية بين الأربعة وبقية المجتهدين الأدلة فيها غير متكافئة، ومن يأخذ بقول خارج المذاهب الأربعة يكون غالطاً. وأما الخلافيات بينهم فدائماً الأدلة فيها متكافئة، وهذا تحكم ظاهر، ولهذا قولهم هذا سيؤدي ضرورة إلى التسامح مع الخروج عن المذاهب الأربعة. وإذا نظرت إلى الأمر من هذه الزاوية ستجد أن السلفية المعاصرة، وإن كان جماعة من المنتسبين إليها خرجوا إلى مقالات الظاهرية، إلا أن لهم منقبة في حماية الناس من القول بتكافؤ الأدلة في الفروع، والذي نهايته تعطيل قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وتبرير اتباع زلات العلماء، كما أنهم أنكروا التشهي واتباع الرخص، كما أنكروا عيوباً في المذهبية المتأخرة، من أهمها جحود حقيقة أن بعض المتأخرين زادوا في مذاهب المجتهدين ما يخالف قولهم أو أصولهم أو لا وجود له في كلامهم، وقلدهم على ذلك كثيرون بشفاعة انتحال المجتهد! مع وجوب إصلاح عيوب الدرس الفقهي، وكذلك الدعوة إلى المذهبية ينبغي أن تكون منفصلة عن الدعوة لتكافؤ الأدلة، وكثير من الناس يميلون لهذا بدعاوى عاطفية مثل (الأمة بحاجة اليوم إلى اجتماع) فيقال والدعوة لاتباع الدليل في المسائل التي اتضح دليلها يجمع قلوب المنصفين من كل المذاهب على الأقوال المتينة، وتبقى المسائل الاجتهادية وكثير من رخص المذاهب المرجوحة اليوم يأخذها بعض الناس ويتذرعون بها للشر، وكثير منهم يمارس التلفيق وتتبع الرخص. ومنهم من يقول: (اليوم هناك منكرات كبيرة وأنتم تقفون عند المسألة الفلانية والمسألة الفلانية) وهذا أسلوب حركي تعلموه من العالمانيين، لا تعارض بين إنكار المنكرات الكبيرة والصغيرة وبعضهم يجتهد في إنكار اللامذهبية مع انتشار العالمانية، فإذا أنكرنا بعض المنكرات قال: وهل هذا وقته مع وجود الزنادقة والملاحدة! وقد تبين لك أن الأصل الذي يدعو له بعض المذهبيين أصل فاسد عقدياً، ويستفيد منه أهل العلمنة، وهذا يفسر التعاون الموجود حالياً ضد السلفية. وكم من محدث كان للأمة كالأب الشفيق... قال ابن الفقيه الهمداني المتوفى عام 365 في كتابه البلدان: "وقال بعض الحكماء: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما وأعظم من أجسامهم أحلاما. وأشدّ قوة وأشد بقوتهم امتحانا. وأطول أعمارا وأطول بأعمارهم للأمور اختبارا. فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا. وكان صاحب الدنيا كذلك. ووجدناهم لم يرضوا بما قلّدوا به من الفضل حتى أشركونا معهم بأنفسهم فيما ابتغوا من علم الآخرة والأولى. فكتبوا به الكتب الباقية وكتبوا بها التجارب والفطن وبلغ اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له باب من العلم وكلمة من الصواب وهو بالبلد غير المأهول فيكتبه في صخرة من جبل وعلى باب قصر خراب، ضنّا منه بذلك وكراهية أن يسقط ذلك الباب وتشذ تلك الكلمة على من يأتي بعدهم. فكتبوا الكتب الباقية من العلم وكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد المشفق على الولد البار. وكانوا يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المعروفة التي هي أجدر أن تبقى على وجه الدهر وتبعد من الرءوس فيجعلون منها الشيء من الحكم والباب من العلم كما 2/75 كتبوا على قبة غمدان وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقّر وعلى سواري الاسكندرية وعلى إيوان الحضر وعلى الأبلق الفرد وعلى الهرمين وعلى باب الرها وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى صخرة همذان". أقول: حين قرأت هذا الكلام تذكرت علماء أهل الحديث الذين ما حفظوا لنا حكمة الحكماء، وإنما حفظوا لنا أعلى الحكمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} فكان الرجل منهم يرحل الرحلات الطوال -حتى بال بعضهم الدم- في سماع الأحاديث، وتعبوا في تنقيحها وتمييز الصحيح من السقيم. وتحملوا في ذلك جرح الرواة وتعديلهم، وذلك يجلب من العداوات وكراهية الناس ما يجلب. ثم كان نتيجة ذلك كله معاناتهم التصنيف والترتيب، لتقريب الأمور لعامة الناس، فكتبوا الجوامع والمسانيد والسنن وكتب الرجال بأنواعها. وهم في كل ذلك لا يكسبون من هذا دنيا، بل ينفقون في ذلك دنياهم، حتى أن يحيى بن معين -وهو واحد منهم- أنفق ألف ألف في طلب الحديث، ثم تقريب ذلك كله للأمة. وذلك صنيع الوالد الشفيق على الولد البار. وكم جحد الأشقياء من فضلهم، ونسبوهم إلى فساد المعتقد كما صنع أهل الكلام، أو قلة الفقه كما صنع أهل الرأي، أو الجور والظلم والجمود كما ادعى أهل الحداثة ومن تأثر بهم من المنتسبين للسنة. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أسوأ أثر الناس عليهم، إلا قلة مختارة عرفت لهم فضلهم. وكم من مسكين زاهد بمصنفاتهم مقبل على تصانيف المتأخرين يظن أن العلم في كلام أولئك المتأخرين، وأن العلم في كلام المتقدمين قليل أو عسير. وذلك تلبيس من الشيطان شديد، وقد انطلى على كثير من المعلمين والناشئة.