كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

كانوا أهل حديث؛ ثم حنابلة؛ ثم بربهارية؛ ثم تيمية؛ ثم وهابية!

المصدر
كانوا أهل حديث؛ ثم حنابلة؛ ثم بربهارية؛ ثم تيمية؛ ثم وهابية! قال ابن فضل الله العمري العدوي في مسالك الأبصار وهو يتكلم عن بعض أحوال عبد الله بن المعتز الهاشمي حفيد المتوكل: "فخرج ابن المعتز، ومعه محمد بن داود الوزير، وبين أيديهما غلام ينادي، يا معشر المسلمين، ادعوا لخليفتكم هذا السني البربهاري؛ إشارة إلى أنه على مذهب أهل السنّة، خلافا للمقتدر، وأهل بيته. والبربهاري، هو أبو الحسن ابن أبي القاسم البربهاري مقدّم الحنابلة؛ وكان لأهل السنّة وسائر العامة فيه رأي جميل. وكان ابن المعتز على مذهبه". أقول: أخطأ العمري في اسم البربهاري، وأخطأ أيضاً ابن الأثير؛ وهو الحسن بن علي البربهاري شيخ الحنابلة المعروف. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: " 437 - الحسن بن عليّ بن خَلَف، أبو محمد البَرْبَهاريّ الفقيه العابد. [المتوفى: 329 هـ] شيخ الحنابلة بالعراق. كان شديداً على المبتدعة، له صيت عند السلطان وجلالة، وكان عارفًا بالمذهب أصولًا وفروعًا". إلى أن قال: "وقال أبو الحسين ابن الفراء: كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين كبيرة، وكان المخالفون يغلظون قلب السّلطان عليه. ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة أرادوا حبْسه، فاستتر وقُبض على جماعة من كبار أصحابه، وحُملوا إلى البصرة، فعاقبَ الله الوزير ابن مقلة وسخط عليه الخليفة وأحرقت داره، ثمّ سُمِلت عينا الخليفة في جُمَادَى الآخرة سنة اثنتين وعشرين. وأعاد الله البربهاري إلى حشمته وزادت، حتّى أنه لمّا حضر جنازة نِفْطَويْه النَّحْويّ تقدّم في الصلاة عليه، وعظُم جاهه، وكثر أصحابه، فبَلَغَنَا أنّه اجتاز بالجانب الغربي، فعطس، فشمَّته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتّى سمعها الخليفة وهو في رَوْشن فسأل: ماذا؟ فأخبر بالحال، فاستهولها. ثم لم تزل المبتدعة توحش قلب الرّاضي بالله عليه إلى أن نودي في بغداد أن لا يجتمع من أصحاب البَرْبهاريّ نَفَسان. فاختفى البربهاري إلى أن تُوفي مُستترًا في رجب من هذه السنة، وُدفِن بدار أخت توزون مختفيًا. فقيل: إنه لمّا كُفن وعنده الخادم صلى عليه وحده، فنظرت من الروشن ست الخادم، فرأت البيتَ ملآن رجالًا بثياب بيضٍ، يُصلُّون عليه. فخافت وطلبت الخادم تهدده، كيف أذن للناس. فحلف أنً الباب لم يُفْتح". وما جرى عليه من المحنة على سنن الفضلاء أمثاله، وكان بعض الناس إذا أراد ذم الحنابلة قال: بربهارية. حتى يبعد اسم الإمام الذي له في نفوس الناس التعظيم التام، حتى ساد هذا الاسم وصار يتكلم به حتى بعض الموافقين من العامة، وهذا نظير قولهم في الأزمنة المتأخرة تيمية ووهابية، يريدون بذلك إيهام الناس أنها طريقة محدثة. قال المطهر بن طاهر المقدسي المتوفى عام 355 في البدء والتاريخ له: "وأما البربهارية فإنهم يجهرون بالتشبيه والمكان، ويرون الحكم بالخاطر، ويكفرون من خالفهم". يقصد بالتشبيه إيمانهم بظواهر النصوص على طريقة السلف. ويقصد بقوله (المكان) أنهم يؤمنون بعلو الله عز وجل على خلقه، وهذا كله مذهب أحمد. وقوله (ويكفرون من خالفهم) فهذه فرية قديمة جديدة، فهو يقصد أنهم يكفرون بعض المتكلمين أصحاب العقائد الشاذة التي تخالف فطر العامة وظواهر النصوص، والذي كفر بها هو إمامهم أحمد ابن حنبل. قال ابن عقيل في [جزء في مسألة القرآن] : { فقد خالفت الأشاعرة كتاب الله ، وسنة رسوله، وإجماع الفقهاء وأهل اللغة، فافهموا ذلك -رحمكم الله- وتدبروه، واجتنبوا مقالتهم، واحذروا بدعتهم وضلالهم؛ تسلموا من خدعهم، وأخبروا المسلمين مقالتهم واعتقادهم الفاسد. .. فصل: أما دعوى الأشاعرة موافقة أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- فباطل، أين هم من قول أحمد -رضي الله عنه- : من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو كافر. قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: تكلم الله بصوت. وقال: لا ينكر هذا إلا الجهمي". وقال البربهاري في شرح السنة: "والإيمان بأن الله تبارك وتعالى هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا فقد كفر". فكلام البربهاري لا يخرج عن كلام إمامه، ولكنها عادة القوم في كل زمان، يجبنون عن الإمام وبقية أئمة السلف، ويلصقونها بالمتأخر وكأنه ابتدأها. وإلا فمعلوم أن مشهور مذهب الحنابلة عدم تكفير المرجئة؛ والقدرية؛ والخوارج؛ والشيعة المفضلة (لا الروافض الغلاة) وهؤلاء ممن يخالفونهم، ولكن بدعة الجهمية وما تفرع عنها عند العلماء أعظم خطراً، فقوله يكفرون من خالفهم كذب. =