في رحاب شيخ مالك الذي علمه الورع
في رحاب شيخ مالك الذي علمه الورع
رجل كان يجالس عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل، وكان شيخاً للإمام مالك ويعظه، وهذا الرجل كان عبداً مملوكاً!
هذا الرجل هو زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش.
كان عبداً مملوكاً، واشترى نفسه وأعتق، ولعتقه قصة عجيبة يرويها تلميذه الإمام مالك:
روى يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ بسند صحيح عن مالك أنه قال: "وكان زياد قد أعانه الناس على فكاك رقبته، وأسرع إليه في ذلك، ففضل بعد الذي قوطع عليه مال كثير، فرده زياد إلى من كان أعانه بالحصص، وكتبهم زياد عنده فلم يزل يدعو لهم حتى مات".
يعني أنه احتاج أن يشتري نفسه من سيده، ولأنه كان مشهوراً بالعبادة والزهد والفضل قام مجموعة من الفضلاء بإعانته على ذلك بالمال.
ففضل مال كثير زائد عن حاجته فأعاده إلى أصحابه وكتب أسماء من أعانه حتى من رد عليه المال وصار يدعو لهم فجمع لهم نفع الدنيا والآخرة وكذا صحبة الصالحين مباركة .
ومن عجائب عمر بن عبد العزيز أنه كان يصحب هذا الرجل مع أنه كان مملوكاً معتقاً وعمر خليفة.
قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ: "حدثني عبد العزيز حدثنا ابن وهب حدثني يعقوب أراه عن أبيه قال: أذن عمر بن عبد العزيز لزياد بن أبي زياد، والأمويون هناك ينتظرون الدخول عليه، قال هشام: أما رضي ابن عبد العزيز أن يصنع ما صنع حتى أذن لعبد عبد الله بن عياش يتخطى رقابنا! فقال للفرزدق: من هذا؟
قال: رجل من أهل المدينة من القراء عبد مملوك. فقال الفرزدق:
أيها القارئ المقضي حاجته ... هذا زمانك إني قد خلا زمني.
عمر بن عبد العزيز لا يأذن لأبناء عمومته الذين صاروا خلفاء لاحقاً ويأذن لهذا الرجل الصالح.
وقال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ: "حدثني محمد بن أبي زكير أخبرنا ابن وهب حدثنا مالك قال:
وكان زياد مولى ابن عياش يمر بي وأنا جالس، فربما أفزعني حسه من خلفي، فيضع يده بين كتفي فيقول: إن عليك بالحذر، فإن كان ما يقول أصحابك هؤلاء من الرخص حقا لم يضر، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالحذر -يريد ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم-".
وهذا إسناد صحيح وفي الخبر زياد بصوته المهيب يقول لمالك (عليك بالحذر) ويحثه أن يكون ورعاً في فتاويه أكثر من شيوخه.
وكل من نظر في فتاوى مالك لاحظ أنه أكثر المتبوعين توسعاً بسد الذرائع، وتوقياً من الحكم بمشروعية الأشياء، حتى أنك تجده دائماً يقول ببدعية أمور يتسمح فيها غيره، كقوله ببدعية السجود على الحجر الأسود، وبدعية مسح الوجه بعد الدعاء، وبدعية سجود الشكر وغيرها.
وقد شارك شيخه زياد بالتوقي عن بعض فتاوى شيوخه، حتى أنه هجر مجلس ربيعة، وكان يحكي عن شيخه ابن هرمز تركه للافتاء.
فإن قيل: ما علاقة الورع بالحكم على الأشياء بالبدعية؟
فيقال هو عين الورع، وذلك أن أمر البدع في الدين شديد فلا يحكم على الأشياء بالمشروعية إلا بدليل، فالشيء إذا اختلف فيه هل هو سنة أم بدعة فإن تركه هو الاحتياط ما لم نجد دليلاً قوياً على المشروعية. فتوسع مالك في سد الذرائع له علاقة وثيقة بحكمه على الأشياء بالبدعة، وكثرة كلامه في الموضوع، حتى أن كثيراً من المصنفات في البدعة مؤلفوها مالكية.
عادة إذا تكلم الناس عن الأئمة ومن أثر فيهم يذكر شيوخهم من الفقهاء، وينسى أثر شيوخهم العباد عليهم، مع أنهم يؤثرون على منهج الفتوى أيضاً. وزياد ثقة وله ثلاثة أحاديث في الكتب.