كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل كفَّر ابن تيمية من يجيز أكل الحيات مطلقًا؟

المصدر
هل كفَّر ابن تيمية من يجيز أكل الحيات مطلقًا؟ قال ابن تيمية: «أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين، فمن أكلها مستحلًّا لذلك فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل». ينشر بعض الناس هذا الكلام ثم يعقب عليه بأن الإمام مالكًا أجاز أكل الحيات، فيكون كلام ابن تيمية متناوِلًا للإمام مالك والمالكية، ويضربون هذا مثلًا على غلو الشيخ! والواقع أن الناقل قد بتر كلام الشيخ وزوَّر في نسبة مذهب مالك، فمذهبه جواز أكل الحيات إذا ذكيت وليس مطلقًا، جاء في الكافي فقه أهل المدينة: «وجائز عند مالك اكل الحيات إذا ذكيت»، وبعض أصحابه قال إن هذا للطب فقط. وفتيا الشيخ فيها تفصيل، فلم يقل باستتابة من يأكلها بعد التذكية، وإنما من يأكلها بدون تذكية، فهو كان عارفًا بمذهب مالك ولهذا احترز في الفتيا. جاء في مجموع الفتاوى: «سُئِل عن رجل فلاح لم يعلم دينه ولا صلاته وإن في بلده شيخا أعطاه إجازة وبقي يأكل الثعابين والعقارب ونزل عن فلاحته ويطلب رزقه. فهل تجوز الصدقة عليه أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين. فمن أكلها مستحلًّا لذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. ومن اعتقد التحريم وأكلها فإنه فاسق عاصٍ لله ورسوله فكيف يكون رجلا صالحا، ولو ذكَّى الحية لكان أكلها بعد ذلك حرامًا عند جماهير العلماء». فابن تيمية نفسه يستحضر قول مالك، لهذا قال: "ولو ذكَّى الحية لكان أكلها بعد ذلك حرامًا عند جماهير العلماء". فواضح أنه لمَّا تكلم عن التحريم تكلم عمن أكلها بدون تذكية، ثم ذكر حكم أكلها بعد التذكية. هذا مثال من بتورات كثيرة جدًّا من كلام الشيخ. والبتورات ليست من خصوصيات الطاعنين في الشيخ، بل أحيانًا بعض الناس يقومون ببتر كلام الشيخ ليصوِّروا أنه على مذهبهم أو لظنهم أنهم يدافعون عنه. فخذ مثالًا الدكتور مدين بن جمال الصالح في كتابه معجم التعريفات العلمية عند شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: "وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه وسقاه من سلسبيل الجنة : القرآن دل على أنه ليس بجسم لأنه أحد والأحد الذي لا ينقسم .....". ثم أحال على درء التعارض (١/ ١٠١-١٠٢) والواقع أن هذا الكلام نقله ابن تيمية عن المعطلة ليرد عليه (فهم يعنون بالجسم الموجود في الخارج). والشيخ قال بعد نقل كلامهم: "وأما استدلالهم بما في القرآن من تسمية الله أحدًا وواحدًا على نفي الصفات، الذي بنوه على نفي التجسيم. فيقال لهم: ليس في كلام العرب، بل ولا عامة أهل اللغات، أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمى واحدًا ولا تسمى أحدًا في النفي والإثبات، بل المنقول بالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدًا وأحدًا، حيث أطلقوا ذلك، ووحيدًا. قال تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدًا} وعَنى الوليد بن المغيرة. وقال تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} فسماها واحدة، وهو امرأة واحدة متصفة بالصفات، بل جسم حامل للأعراض. وقال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}. وقال تعالى: {قالت إحداهما يا أبت استأجره}، وقال تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}، وقال تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى}. وقال: {ولم يكن له كفوا أحد}، وقال: {قل إني لن يجيرني من الله أحد}، وقال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}، وقال تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}. فإن كان لفظ الأحد لا يقال على ما قامت به الصفات، بل ولا على شيء من الأجسام التي تقوم بها الأعراض لأنها منقسمة، لم يكن في الوجود غير الله من الملائكة والإنس والجن والبهائم من يدخل في لفظ أحد، بل لم يكن في الموجودين ما يقال عليه في النفي أنه أحد، فإذا قيل {ولم يكن له كفوا أحد} لم يكن هذا نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له، ولم يكن في الموجودات ما أخبر عنه بهذا الخطاب أنه ليس كفؤا لله" إلى آخر كلامه. أقول: وله كلام في بيان تلبيس الجهمية في المعنى نفسه. وأغلاط الباحثين على ابن تيمية تصلح أن تُكتَب فيها رسالة علمية بمجلدات عدة، وكثير منهم يبحث بنفسية مسبقة تجعله يقرأ كلام الشيخ قراءة متحيزة.