طرد الوسواس من آية العدل بين النساء
طرد الوسواس من آية العدل بين النساء
قال تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما )
تأمل ختمه سبحانه الآية بذكر اسم ( الغفور ) واسم ( الرحيم ) فإن فيه سرا عجيباً
كنت دائماً أقول لمن يأتيني وهو مصاب بالوسواس مشكلتك من ضعف إيمانك باسم الغفور الرحيم فأنت تظن أن العبادات لا تقبل إلا على أكمل وجه فتوسوس وتظن أن الله يريد أن يعنتك والواقع أن الأمر أهون مما تظن
وهذا ما نسميه ( وهم الكمال ) وهو في كثير من الناس يكون باب انتكاسة فهو إذا رأى عجزه عن تأدية الأمر على أكمل وجه _ في ظنه _ تركه بالكلية فيبدأ الأمر بقنوط من رحمة الله وينتهي بأمن من مكره
ولو عقل أن الكمال لا يأتي دفعة واحدة وأن الله عز وجل يجبر نقص عباده برحمته ويغفر لهم تقصيرهم بشرط أن يستمروا بالإقبال عليه ولا ييأسوا لارتاح جداً ولهذا دراسة الفقه على رجل فاهم مفيدة إذ الفقهاء يذكرون الصورة المجزئة ويذكرون الصورة الكاملة نظرياً والوعاظ يذكرون الصورة الكاملة ظاهراً وباطناً والواقع أن كمال العبادات لا منتهى له فإنه متعلق بالمعاني الباطنة وهذه لا نهاية لسموها كما قال إسحاق الإيمان يزيد أبداً .
فالموسوس يوسوس عن غفلة عن صفات الجمال والمتهتك يتهتك عن غفلة عن صفات الجلال ومن جمع بين استحضار المعنيين استقام عمله
فإن قيل : ما علاقة الآية بهذا المعنى ؟
فيقال : العدل بين الزوجات على أكمل صورة غير ممكن ( ولو حرصتم ) فميل القلب ليس بيد الإنسان وإنما العدل الممكن في الطعام والكسوة والنفقة والمبيت واليوم من ينفر من التعدد بحجة ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا ولو حرصتم ) إنما يسير على طريقة الموسوسين أنك إن لم تفعل الأمر على أكمل وجه فاتركه ! وهذه غفلة عن رحمة الله ومغفرته التي ذكرت في آخر الآية وأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها وأنه يغتفر التقصير اليسير في مقابل الاستقامة العامة
وظاهر الآية دال على المشروعية أصلاً ولهذا لا يترك ما شرع الله خوفاً من هذا المعنى وكذلك رأينا من يترك تعلم العلم بحجة أخشى ألا أقوم بحقوقه ومن يترك الالتزام الظاهر بحجة أخشى ألا أقوم بحق ذلك وإلى غير ذلك من الوساوس التي لعبت بالناس وصدتهم عن خير كثير.