=
=
وهذه الفكرة المعتزلية التي مبناها على التعطيل فشت في أهل هذا العصر لما كان نظرهم للمصالح والمفاسد محتكماً إلى فلسفات مادية إلحادية فاليوم كثير من الناس إذا قال ( أخلاقي ) فهو يعني بذلك مبدأ أنت حر ما لم تضر والعدالة بالمفهوم الليبرالي وحصر الأخلاق بهذين المبدأين فرع عن الكفر بالخالق والآخرة
فالفرق بين هؤلاء والمعتزلة أن المعتزلة اعتبار الآخرة ودخول الناس للجنة من ضمن الاعتبارات الهامة لهذا لم يظهر عندهم اعتراض على الشرائع ولكن في زماننا أمر الآخرة نسي تماماً بصفته حاكماً على ما في الدنيا بل ينظر له على أنه شيء منفصل وأن الدنيا لها جنتها الخاصة والتي ينبغي تحصيلها
وبالتالي صار كثير من الناس ينظرون للشرائع وفقاً للنظرة المعتزلية أنها للحفاظ على المال والنفس والعرض والعقل ( ومنهم من أسقط العرض والعقل ما لم تضر ! ) وأما ( حقوق الخالق ) فهذه لا اعتبار لها ما لم تتصل بحقوق المخلوق المشار إليها آنفاً فصار الدين مجرد وسيلة لتحقيق مصالح دنيوية حاضرة
ولا يخفى أن كثيراً من المشاريع الحركية تترسم هذا المبدأ وانتشر هذا المفهوم بين كثير من المنتسبين للملة وصار استقباحهم للقتل والاغتصاب أعظم من استقباحهم للشرك وصار تكفير الطاغية محنة وأما تكفير من ينكر المباديء العقلية وينشر الإلحاد مسألة اجتهادية وظهر من الاستهزاء بالأوامر الشرعية الشيء العظيم ما لم تتصل بمصلحة دنيوية حتى شاع الاستهزاء بأحكام الطهارة وتفاصيل أحكام الصلاة ولا حول ولا قوة إلا بالله وكثير منهم لا يطيب له التنويه بقضايا الأمة إلا مع ضرب من الاستهزاء بشعائر الله وحقوقه العظيمة سبحانه وصار ذلك بابا للشبهات على حد الردة وجهاد الطلب وغيرها من الأبواب التي يظهر فيها تعظيم حق الله على حق المخلوق والأصل في الدين معكوس مذهب هؤلاء فالنفوس والأموال والعقول تحفظ ليطاع بها الله ويتقرب بها إليه سبحانه لو كانوا يعقلون ومن عقل هذا فهم معنى الحياة الطيبة والسعادة والا كان مطاردا للسراب كما قال بعض الناس يصف كلام الغزالي : كلام أبي حامد يشوقك فتسير خلفه منزلا بعد منزل فإذا هو ينتهي إلى لا شيء . وذلك أنه جمع من كلام الزهاد مادة طيبة ولكنه خلطها بالتعطيل فصار المرء يتشوق ثم ينتهي إلى لا شيء وكذلك الحال الْيَوْم كثير من مصالح الدنيا اذا ما انتهت إلى علاقة مع الله فهي لا شيء ويفقد المرء ما يجد فيها من لذة واليوم هناك تعطيل جديد غير التعطيل الكلامي والله المستعان ولكن النتيجة واحدة
وطلباً للاختصار لم أنقل نصوص العلماء في شرح مذاهب الفرق الكلامية ومن أراد التفصيل فليراجع شفاء العليل لابن القيم ومجلد القدر من مجموع الفتاوى لابن تيمية