تساؤلات لطالما أخفيتها في صدري
تساؤلات لطالما أخفيتها في صدري
قد سن بعض الأخوة سنة وهي الاستماع لتساؤلات الشباب مهما كانت برحابة صدر ودون أي زجر حتى صار كثير لا يتحرج من أي وسوسة تخطر على باله أن يخاطبك بها وأنا نفسي من أكثر المتأثرين بهذه السنة لأنني فاتح بابي لكل من يعرف رقمي
وقد قررت هذه المرة أن أتقمص دور المتسائل حتى يكون كلامي خفيفاً على النفوس أو يحمل على محمل الجد والواقع أنها إيرادات علمية وليست تساؤلات حائر ولكنها بدأت تساؤلات حائر حتى صارت مذهباً علمياً أتمسك به
سأنقل بعض النقولات في مسألة علو الله على خلقه وليس المقصود نفس هذه المسألة وإنما المقصود شيء آخر فابقَ معي إلى نهاية المقال
1_ قال الثعلبي في تفسيره : واعلم أنّ الآيات والأخبار الصحاح في هذا الباب كثيرة وكلّها إلى العلو مشيرة، ولا يدفعها إلّا ملحد جاحد أو جاهل معاند.
2_ قال الدارمي في الرد على المريسي : وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية
3_ قال عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا أبي قال حدثت عن سعيد ابن عامر الضبعي أنه ذكر الجهمية فقال هم شر قولا من اليهود والنصاري
قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله عزوجل على العرش وقالوا هم ليس على شيء ( نقلا عن العلو للذهبي )
4_ قال ابن رشد في مناهج الأدلة : القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه وتعالي حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله.
وظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى .
وأطنب في هذا وذكر أن مسألة العلو هي أظهر مسائل الشريعة على الإطلاق وأقره على ذلك الكلام ابن تيمية وابن ابن القيم
5_ وفي طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح في ترجمة الخطابي :" وصرح بأنه سبحانه وتعالى في السماء، وقال: زعم بعضهم أن معنى الاستواء ها هنا الاستيلاء، ونزع فيه ببيت مجهول لم يقله من يصح الاحتجاج بقوله"
6_ قال ابن القيم في النونية : يا قومنا والله إن لقولنا ... ألفا تدل عليه بل ألفان
عقلا ونقلا مع صريح الفطرة الأ ... ولى وذوق حلاوة القرآن
كل يدل بأنه سبحانه ... فوق السماء مباين الأكوان
7_ قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل :" القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والعلم بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بل نصوص العلو قد قيل إنها تبلغ مئين من المواضع.
والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك، فلم يكن بنا حاجة إلى نفي ذلك من لفظ معين، قد يقال إنه يحتمل التأويل، ولهذا لم يكن بين الصحابة والتابعين نزاع في ذلك، كما تنطق بذلك كتب الآثار المستفيضة المتواترة في ذلك، وهذا يعلمه من له عناية بهذا الشأن، أعظم مما يعلمون أحاديث الرجم والشفاعة والحوض والميزان، وأعظم مما يعلمون النصوص الدالة على خبر الواحد والإجماع والقياس، وأكثر مما يعلمون النصوص الدالة على الشفعة، وسجود السهو، ومنع نكاح المرأة على عمتها وخالتها، ومنع ميراث القاتل، ونحو ذلك مما يتلقاه عامة الأمة بالقبول.
ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين"
أقول : هذه مجرد عينات لمنزلة مسألة العلو عند كثير من النظار وقد جمع ابن القيم كلام مثبتي العلو في اجتماع الجيوش الإسلامية فالمسألة دلالات النصوص عليها قطعية وعليها أدلة عقلية وفطرية ومعلوم أنه خالف فيها من خالف لشبهات كلامية ولا شك أن المخالفة في هذه المسألة لا تكون إلا من نقص في منزلة النصوص في القلب في مقابل تعظيم كلام المتكلمين وذلك انحراف أصلي
هذه النصوص يقر بها عامة المنتسبين للسلفية في زماننا ولكنني كلما قرأتها تتولد عندي تساؤلات تجاه كثير من سلوكيات جمهور المنتسبين للسلفية المعاصرين
فأولاً : إذا كان المخالف في هذه المسألة الظاهرة يجوز أن يكون إماماً ومعتذراً له فلماذا من يحكم على الأشاعرة بحكم غير حكمكم تشنعون عليه وتفاصلونه ( الكلام موجه لفئة معينة ) وذلك أنه مهما كانت درجة خطأ المخالف فلن تصل إلى مخالفة دلالة النصوص الظاهرة المتوافرة التي أقر بها اليهود والنصارى وعامة متقدمي المسلمين ومخالفة الفطرة والمعاني الضرورية فإذا كنت ترى أن تكفير الأشعرية فيه رزية على أهل الملة ! فأي رزية أعظم من جعل دلالات النصوص القطعية تدل على ما لا يليق بالله عز وجل !
=
=
ثانياً : تجده منتسباً للمذهب الحنبلي ويقر بالكلام السابق هذا كله ويشنع على من يقول بتحريم التوسل بحجة أنه وجد في كتب بعض متأخري الحنابلة إجازته ثم هو يتسامح مع منكر العلو ( والمخالف له في عقائد كثيرة أخرى ) فمهما كانت حججك في مسألة التوسل فيما تزعم فلن تصل لعشر قوة أدلة مسألة العلو التي تسامحت فيها
ثالثاً : تجده يرى تحريم الاستغاثة بالأولياء ويراها شركاً ويثبت العلو ومع ذلك يظهر الاحترام الشديد للمخالفين في هذه المسألة خصوصاً من مشاهير المتأخرين ويلتمس لهم الأعذار ثم يشنع على من يراهم متشددين من مخالفيه ممن يحرمون أموراً هو يرى إباحتها فهذا المتشدد مهما بلغ ضعف حجته فلن يصل إلى ضعف حجة مبيح بعض صور الشرك ومناقض البراهين المتضافرة بوسوسات كلامية
رابعاً : يختلف اثنان في العذر بالجهل فهذا يعذر بالجهل وهذا لا يعذر والعجيب أن الرجلين اعتبار النصوص في إقامة الحجة عندهما ضعيف فمن لا يعذر يعول على حجة الفطرة والعقل ويرى أن هذا التعويل إذا ثبت سقطت حجة العاذر وإلا فلا والعاذر يعول على أن الحجة لا تثبت بمجرد العقل والفطرة ويرى أنه إذا قال هذا فقد سلم له عدم التكفير
وسبحان الله فأين النصوص ودلالتها فلو فرضنا أنه لا يعول على العقل والفطرة مطلقاً فهذا لا ينفي التكفير بالكلية ووجود مسائل ظاهرة وخفية فالظاهرة ما دلت النصوص عليه جلياً والخفي ما خفي مأخذه غير أن المتدبر لكثير من الحوارات يجد أن الفريقين منزلة النصوص عندهما ليست كما تنبغي وإذا كانوا لا يحررون شيئاً واضحاً كهذا حول بحثهم من البحث في العذر إلى البحث في أصل التكفير فأنى لهم أن يحسنوا التفاصيل
والطرف العاذر ليرح نفسه فمهما بلغت أدلته فإن شبهة مخالفه قائمة ومعتبرة وذلك أن أدلته لن تبلغ قوة أدلة مسألة العلو والتي هو يقول باعتبار عذر المخالف فيها مطلقاً ، وأيضاً هناك ممن لا يعذر ويشنع على مخالفيه ثم تجده يترحم على منكري العلو ويعذرهم تماماً بل رأيت بعض الشباب ممن يكفر الشعوب الإسلامية كلها ويترحم على منكري العلو
ومن يتأمل أحوال التيارات المنتسبة للسلفية في غالبها يجدهم يختلفون في مسائل فيها مصيب ومخطيء ولكن ليس الشأن في التصويب والتخطئة وإنما الشأن في منزلة الخطأ فأنا قد أحكم على مقالة زيد بالخطأ ولكنني أجعله من قبيل البدعة الخفية وأنت تحكم عليه بالخطأ فتجعله من قبيل الخطأ الاجتهادي وثالث يحكم بالخطأ ويجعله من قبيل البدعة الجلية ورابع يحكم بالخطأ ويجعله كفراً
وهنا تكمن المشكلة في الحكم على الخطأ فكم من خطأ يشنَّع أشد التشنيع على الواقع فيه لتعلُّقه السياسي أو بالمشروع الحركي هذا مع التسامح الشديد مع المخالف في مسألة مثل مسألة العلو أنت ترى منزلتها عند العلماء
وقد رأيت بعض من يزعم اشتغاله بالعلوم العقلية ويجعل مجرد اختلاف الناس في مسألة دليلاً على وجاهة الخلاف فيها ثم تجده يخاطب بعض مخالفيه في بعض مسائل التكفير بقوله ( لا يخفى على من له أدنى نظر ) وغيرها من العبارات الثبوتية التي لا تتناسب مع رؤيته للعلم
المشكلة ليست في الحكم على الخطأ بحكم مبالَغ فيه أو متسامَح فيه بل في الامتحان على هذا الحكم فإذا أنت وافقتهم على التخطئة ثم لم توافق على منزلة الخطأ فاصلوك ثم هم يعذرون ويعظِّمون من يخالفهم في مسائل ظاهرة جلية !
وهذا التخبط مزَّق الناس إرباً وجعلهم فرقاً كثيرة ووقع الشيء العظيم من البغي والظلم في تصوير مقالات الخصوم والجهل في نصرة الأقوال الضعيفة والاستدلال لها
وكل ما تسمعه من الحديث عن الإنصاف ظله في الواقع ضعيف بل الرؤى الحركية والأذواق الشخصية التي كونتها اختلاط الثقافة الإسلامية بالثقافة الحديثة كلها صارت في نفوس أصحابها أظهر من نصوص العلو لذا يوالون ويعادون عليها موالاة شديدة يضنون بها على النصوص وهذه التناقضات من أعظم ما بُلي به كثير من طلبة العلم المنتسبين للسلفية وإذا لم يقف العقلاء أمام هذا وقفة حازمة فإن ذلك مظنة ذهاب بركة هذه الدعوة الطيبة
التساؤل في كل ما سبق : ما تبريركم لكل هذا ؟ أم لعلكم ستتهمون هؤلاء العلماء بأنهم بالغوا وأن كلامهم غير مسلَّم فكذلك يقال في أذواقكم وأموركم أنها متأثرة بالعصر وليست دقيقة فلِمَ المفاصلة عليها وشتم المخالفين تارة بالتعصب وتارة بغيره
سرجون المسلم المفترى عليه من الشيعة والصوفية!
دخلت اليوم إلى صفحة الصوفي الأزهري الشهير علي جمعة وكان يتكلم عن الخوارج ومعلوم الاسقاطات العصرية التي يريدها من هذا الحديث
فتسلسل به الحديث إلى ذكر معاوية ويزيد وقال أن يزيد عنده مستشار اسمه ( سرجون ) فقال المذيع لعلي جمعة : سرجون هذا يهودي ؟!
فقال له علي جمعة : هذا نصراني وليست القصة أنه نصراني ولكن انظر إلى التغلغل في الدولة
أقول : سرجون هذا عادة يتكلم عنه الشيعة الإمامية وقد ابتكروا له دوراً في حادثة الطف واشتهر بين الكتاب المعاصرين والأدباء القدامى من المعتزلة والمتشيعين القول بنصرانية سرجون
وعامة أخباره أسانيدها منقطعة ولكن الذي لا يعرفه كثيرون أن المصادر التاريخية تذكر أنه أسلم
جاء في تاريخ دمشق :" 2402 - سرجون بن منصور الرومي كاتب معاوية وابنه يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان ذكره أبو الحسين الرازي في تسمية كتاب أمراء دمشق وذكر أنه كان نصرانيا فأسلم وهو الذي ينسب إليه جبر بن سرجون عند باب كيسان ويقال له سرحة وله عقب وكان يقال إن الكنيسة التي خارج باب الفراديس بحذاء دار أم البنين محدثة بنيت بعد الفتح لسرحة كان كاتبا لمعاوية بن أبي سفيان ثم أسلم على يديه وبقيت الكنيسة"
والرواية في تاريخ الطبري التي تذكر أنه أشار بتولية عبيد الله بن زياد في سندها خالد بن يزيد القسري أورد له ابن عدي أحاديث كثيرة منكرة ثم قال : وخالد بن يزيد هَذَا لَهُ أَحَادِيثُ غَيْرَ مَا ذكرت وأحاديثه كلها لا يتابع عليها لا إسنادا، ولاَ متنا ولم أر للمتقدمين الذين يتكلمون في الرجال لهم فيه قول ولعلهم غفلوا عنه وقد رأيتهم تكلموا في من هو خير من خالد هذا فلم أجد بدا من أن أذكره،
أقول : ومن كان كل أحاديثه لا يتابع عليها فهو ضعيف جداً ولا ينبغي الاعتماد عليه وأما روايات الأصفهاني في الأغاني فهو رافضي كذاب لا يعتد به أحد وإذا طعنوا في رواية إسلامه يلزمهم من باب أولى الطعن في الروايات الأخرى التي يعتمدونها للحط عليه
وقد اختلفت روايات المؤرخين في مكانة سرجون فغالبهم يذكر أنه كان كاتباً على الخراج فحسب
والعجيب أن علي جمعة وهو يتكلم عن غلو الخوارج بالتكفير اتهم مسلماً بأنه نصراني متخفي وهل تجوز مثل هذه التهمة بسهولة ؟
ثم وهو في سياق الدفاع عن النظام المصري الحالي ونقده للمعارضة السياسية وجه انتقادات شديدة لدول إسلامية قديمة وأثنى على من يراه خارجاً عليها فسبحان الله !
وقد لاحظت في صفحته أنه يتحرى النقل عن علي بن أبي طالب وحفيده المبارك جعفر الصادق ورأيت شيعة إمامية يعلقون ثم تجده فجأة ذكر أم المؤمنين بخير
وهذه فكرة عند التوافقيين سواء من السياسيين أو التوافقيين الخرافيين ( فكثير من الصوفية يرى أن الشيعة يشركونهم بتعظيم أهل البيت والأولياء والعقيدة في الصفات بخلاف السلفية لهذا يطمعون بوفاقهم ) هذه الفكرة خلاصتها تقديم معاوية قرباناً ولا بأس من توجيه بعض الانتقادات لعثمان رضي الله عنه وإظهار تعظيم أهل البيت والاحتفاء بعلومهم
وبهذه الطريقة يرون أنهم يقربون بين المذاهب وهذه الطريقة أثبتت فشلها مراراً وتكراراً وذلك أن الشيعي الإمامي تبدأ عنده الدنيا من معركة الطف ينشأ منذ صغره على الحديث عنها ويتفنن الخطباء في تبيين عظم فجيعة أهل البيت في ذلك اليوم حتى يمتليء القلب غضباً وحزناً وينطلق اللسان ب( لعن الله أمة قتلتك يا ابن رسول الله )
ثم بعد ذلك يربط كل ما قبل هذه الحادثة بها وكل ما بعدها كذلك فيفهم الحال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه سلسلة مؤامرات أدت إلى هذه الكارثة وتحت هذا الضغط العاطفي يكون من السهل تأليه الحسين المقتول ! كما أله المسيح المصلوب !
وعلاج هذا يكون بقراءة التاريخ بصورة منتظمة بحيث يعرف فضل الصحابة الكرام وما قدموه للإسلام ويدان المجرم والقاتل ولكن دون مبالغة وجعل ذلك مؤامرة على أصل الإسلام وكشف المغالطات في القراءة المؤامراتية ( والتي استسلم لبعض معطياتها التوافقيون في مواطن ليست بالقليلة وخذ هذا مثالاً مثل دعوى أن أخوال يزيد نصارى التي تمسك بها عدنان ونسي أن أخوال يزيد هم أخوال سكينة بنت الحسين ! وهم مسلمون من أصل نصراني والإسلام دب فيهم من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم).