=
=
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى )15/289) :" وذلك أن المحب العاشق وإن كان إنما يحب النظر والاستمتاع بصورة ذلك المحبوب وكلامه فليس دواؤه في أن يعطي نفسه محبوبها وشهوتها من ذلك لأنه مريض والمريض إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكريه فأخذتنا رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ينفعه فيزداد سقمه فيهلك وهكذا المذنب العاشق ونحوه هو مريض فليس الرأفة به والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات ولا يعان على ذلك ولا أن يمكن من ترك ما ينفعه من الطاعات التي تزيل مرضه قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} أي فيها الشفاء بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها: مثل الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يقوي داءه ويزيد علته وإن اشتهاه. ولا يظن الظان أنه إذا حصل له استمتاعوأكبر من ذلك بمحرم يسكن بلاؤه بل ذلك يوجب له انزعاجا عظيما وزيادة في البلاء والمرض في المآل فإنه وإن سكن بلاؤه وهدأ ما به عقيب استمتاعه أعقبه ذلك مرضا عظيما عسيرا لا يتخلص منه بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء الذي ترامى به إلى الهلاك والعطب ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر وأخف من ألم المرض الباقي. وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب وهي من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه وإن كان لا يريد إلا الخير إذ هو في ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء والرجال الجهال بمرضاهم وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير رأفة بهم فيكون ذلك سبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم. ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وذوقه ما ذاقوه من قوة الشهوة وبرودة القلب والدياثة فيترك ما أمر الله به من العقوبة وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه وهو بمنزلة جماعة من المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم فوجد كبيرهم مرارته فترك شربه ونهى عن سقيه للباقين. ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانيين محبوبا له إما أن يكون محبا لصورته وجماله بعشق أو غيره أو لقرابة بينهما أو لمودة أو لإحسانه إليه أو لما يرجو منه من الدنيا أو غير ذلك أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأول: {إنما يرحم الله من عباده الرحماء} ويقول الأحمق: {الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} وغير ذلك وليس كما قال بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه بل قد ورد في الحديث {لا يدخل الجنة ديوث} فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها لها ولأهلها ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها لم يكن مريدا للعقوبة عليها فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه قال تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} الآية. فإن دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبني على محبته ومحبة رسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله"
علما أن الشريعة تدفع بهذه العقوبة شرا أعظم يقع إذا غابت سواء على الفرد نفسه أو المجتمع والإنسان إذا استجاب لداعي الشهوة فهو مذموم ولكن الرحمة به أن يتم إضعاف هذا الداعي بعقوبة رادعة حتى يدخل في أهل الصلاح من باب الفضل أو تكون مجاهدة الهوى والشيطان في حقه أهون.