كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب دقة أهل الحديث وإنصافهم

المصدر
في رحاب دقة أهل الحديث وإنصافهم محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الأنصاري فقيه كوفي معروف من كبار أتباع التابعين و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه : كان سىء الحفظ ، مضطرب الحديث ، كان فقه ابن أبى ليلى أحب إلينا من حديثه ، فى حديثه اضطراب . و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى ، عن أحمد بن يونس : كان زائدة لا يروى عن ابن أبى ليلى ، و كان قد ترك حديثه . و قال أبو حاتم ، و على بن شهاب القزوينى عن أحمد بن يونس : ذكر زائدة ابن أبى ليلى ، فقال : كان أفقه أهل الدنيا . هذه آثار صحيحة وهذه طريقة عامة أهل الحديث مع هذا العلم الجليل أنهم يضعفونه في الحديث ويثنون على فقهه لأنه كان يحفظ مسائل الفقه جيداً ولا يحفظ ألفاظ الأحاديث والعالم إذا تكلم بالفرز فإن هذا يدل على تحقيق وتدقيق شديدين مثل كلامهم في حفص بن سليمان في الحديث مع إمامته في القراءة ومثله أبو بكر بن عياش وإن كان هذا أمثل في الحديث وابن أبي ليلى احتفى بفقهه أهل الرأي وأهل الحديث على حد سواء حتى أنك تجد أن أبا يوسف القاضي جمع كتاباً في اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وكان كثيراً ما يرجح قول ابن أبي ليلى وقد عاشا في زمن واحد وابن أبي ليلى هو القاضي الذي استتاب إمام أهل الرأي في القصة المشهورة والسؤال هنا : لماذا أحب أهل الحديث ابن أبي ليلى واحترموه على ضعفه في الحديث واشتدوا في حق أهل الرأي خصوصاً إمامهم ؟ والجواب : كثير من الناس يكره الخوض في هذا البحث ويرى وقته ليس مناسباً وصدقوا فيما قالوا لولا أن الأبحاث التي تتناول الأمر بسطحية وتسب المحدثين وأهل الحديث لا تدخل في الحصر في هذا الزمان وكثير ممن يتكلم في الأمر غير متصور لحقيقة البحث وأن له علاقة وطيدة بما نعيشه الآن من التعدي على الأخبار وتتبع الرخص واستنقاص بعض الصحابة كما هو معروف في كتب أهل الرأي عند حديثهم على بعض الصحابة رواة الأحاديث المشاهير ولما دافع العلائي في منيف الرتبة عن أبي هريرة اختار شبهات القوم لو كان أهل الرأي غايتهم أنهم خالفوا بعض الأحاديث لكونها لم تبلغهم فقاسوا لكان الأمر هيناً جداً ولا يوجد فقيه في العراق أو الشام أو الحجاز لم يقع منه هذا ومع ذلك الناس كانوا يردون زلتهم مع المحبة والتوقير ولو كان الأمر متعلقاً بأهل العراق بالذات ونفرة المدنيين منهم ما مدح الناس ابن أبي ليلى وشريك وسفيان وغيرهم من أفاضل الفقهاء العراقيين ولهم زلات وأخطاء ناقشها الجميع عامة من يبحث المسألة ينطلق من مقدمة سطحية وهي أن خطأ أهل الرأي من جنس خطأ غيرهم من الفقهاء وأن أهل الحديث تحاملوا على أهل الرأي لأسباب قطرية ( كونهم عراقيين ) أو أسباب نفسية ( حسد ) ولماذا لم يحسدوا البقية ؟ الواقع أن أهل الرأي لهم منهج خاص في الاستدلال والتعامل مع الأخبار فكانوا يردون خبر الواحد ( وليس الآحاد ) إذا خالف القياس ويردونه إذا كان فيما تعم به البلوى وفي الحدود ويرون أن الزيادة نسخ وردوا الكثير من الأحاديث بهذه الدعاوى ثم ثبت في كثير منها أنه رواه اثنان وثلاثة وثبت في كثير منها أنه مع القياس ووجد أنهم هم أنفسهم خالفوا هذه الأصول هذا غير قولهم في الحيل والاستحسان وهذا المنهج هو الذي تولد منه لاحقاً قول جماعة من المتكلمين أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة وهذا مبدأ الطعن في السنة الذي هو أحد أهم مرتكزات بحثنا مع أهل الحداثة هذا ما أوجب شدة المحدثين مع ما ذكر من الإرجاء حتى أن مذهبهم الفقهي إلى اليوم يعتبر الإرجاء من أسسه ومن ينظر في كتاب ردة من كتب أهل الرأي يجدهم يبحثون على قولين في تكفير من يقول ( أنا مؤمن إن شاء الله ) وهذا قول أهل السنة ! فكيف يبيح أهل السنة التمذهب بمذهب ينعتهم بهذه النعوت الشديدة ثم الإرجاء هو أحد البدع التي يبحث الفقهاء في كل طبقة في حكم شهادة أصحابها وروايتهم والصلاة خلفهم فإن حكمت ببدعيتهم حكمت ببدعية أهل الرأي ضرورة فمن سلم منهم الإرجاء ندرة وإن حكمت بسنيتهم كان ذكرهم في أهل البدع مشكلاً ! وإرجاء الجهمية خارج البحث فهو كفر الكلام في الأفراد يختلف عن الكلام في المناهج فقد يتكلم بعض الناس في شخص بعينه وينسبه إلى مقالة فاسدة ويكون هذا الشخص بريئاً ويكون هذا الذي رماه متأولاً وهذا يتصور وقوعه من الأفراد لا أن يتتابع عليه جماعات الأئمة وأما الكلام على المناهج فلا يتصور إلا أن يكون المضلل لمنهج ما إما ظالماً غالطاً أو مبتدعاً أو مصيباً فمثلاً قد ينسب شخص آخر للإرجاء فيكون مخطئاً في هذه النسبة وذلك الشخص على عقيدته أصلاً ، ولكن ذم الناس للإرجاء بصفته ( منهجاً ) أو ( عقيدة ) هذا لا يحتمل إلا السنة أو البدعة أو الصواب أو الفجور والظلم لأنك لا تذم عقيدة إلا وأنت تتبنى نقيضها =