مقاربة في فهم الإمام أحمد في التهنئة بالأعياد...
مقاربة في فهم الإمام أحمد في التهنئة بالأعياد...
رأيت عدداً من طلبة العلم يقولون بأن التهنئة بالعام الهجري الجديد أمر مباح، وهو من العادات، وسمحوا في ذلك.
غير أنك لو قرأت كلام الأئمة في التهنئة بالعيدين -وهما العيدان- لما وجدت الأمر بهذه السماحة، وذلك أن التهنئة تجعل الأمر عيداً، وأمر الأعياد توقيفية، فالناس يهنئون بالأعياد، ومواسم الطاعات، وبالسلامة من خطر، أو حصول خير كان من الممكن ألا يحصل، ولا يتم على خير كولادة المولود.
لنتأمل الآن في كلمات أحمد في التهنئة بالعيدين (وأما مسألة التهنئة بالعام الهجري الجديد فهذه لم تكن مطروحة عند السلف في القرون الأولى من الأساس)
قال أبو داود: سمعت أحمد سُئِلَ عن قولهم يوم العيد: تقبل اللَّه منا ومنك؟
قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
"مسائل أبي داود" (436)
قال ابن هانئ: وسئل عن الرجل يلقى الرجل يوم الفطر فيقول: تقبل اللَّه منا ومنك؟
قال: يرد عليه، وإن ابتدأ به فلا بأس.
"مسائل ابن هانئ" (673)
قال حرب: سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبل اللَّه منا ومنكم.
قال: لا بأس به، يرويه أهل الشام عن أبي إمامة.
قيل: وواثلة بن الأسقع؟
قال: نعم.
قيل: فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد.
قال: لا.
"المغني" 3/ 294
أقول: مجرد توجيه السؤال للإمام أحمد في المسألة يوحي أن الأمر ليس بالسماحة التي يصورها البعض، وتجد أحمد في بعض فتاويه يقول: (أرجو أنه لا بأس به) فلماذا كل هذا التحفظ والأمر مباح! والأصل الإباحة فهو هين.
في الواقع أن هناك من يمنع من التهنئة، ويعتبرها أمراً محدثاً، أو أن أصول بعض أهل العلم تقتضي ذلك، لهذا استدل أحمد على الإباحة بأثر مروي عن أبي أمامة.
وتأمل تأكيد حرب على الإمام أحمد حين قال له: (فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد)
وهذا التحفظ في أمر العيدين اللذين لا نزاع فيهما وفي الأمر آثار عن الصحابة فما بالك بالتهنئة بالعام الهجري، والذي لا يوجد فيه أي آثار عن السلف، ولا تتعلق به فريضة صيام أو حج.
جاء في النجم الوهاج في شرح المنهاج: قال القمولي: لم أر لأحد من أصحابنا كلاما في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي: أنه سئل عن ذلك، فأجاب بأن الناس لن يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه: أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة.
وفي (جامع البيان والتحصيل) عن مالك أنه قال: لا يكره.
وقال ابن حبيب في (الموضحة): لا أعرفه ولا أنكره".
كلام المقدسي عن العيدين وليس عن التهنئة بالعام الهجري كما يوهم كلام القمولي، وذلك أن الكلام الذي جاء بعده عن مالك وابن حبيب إنما كان في العيدين فحسب.
وإذا كانت التهنئة في العيدين يقال فيها (لا أعرفه ولا أنكره) مع أن فيها آثاراً، فما بالك بالتهنئة بالعام الهجري والتي لا آثار فيها البتة. وقد نقل المقدسي أن في تهنئة العيدين يوجد خلاف، وما اتهم الطرف المانع بالتشدد، فكيف يقال هذا فيمن منع من التهنئة في العام الهجري!
وقال ابن حبان في الثقات 15348 - محمد بن حاتم الزمي سكن بغداد يروى عن بن عيينة والناس روى عنه أهل العراق حدثنا بن الباغندي ثنا محمد بن حاتم الزمي ثنا علي بن ثابت قال: سألت مالك بن أنس عن قول الناس يوم العيد تقبل الله منا ومنك. فقال: ما زال ذلك الأمر عندنا ما نرى به بأسا.
وقال ابن حجر في جزء في التهنئة بالأعياد: "ونقل السروجي في شرح الهداية عن مالك: ((هو من فعل الأعاجم، وكرهه)).
وهذا الأخير هو مقتضى صنيع صاحب الفروع عن الحنفية والمالكية أنه لا يستحب".
ونقل ابن مفلح في الفروع عن أحمد رواية في كراهية الابتداء، ورواية أخرى في الكراهية مطلقا.
وفي جزء أحاديث عفان بن مسلم
١٥٠- حدثنا أبو عوانة قال: سألت ابن عون عن الرجل يقول للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنكم، قال: قال الحسن: محدث أو بدعة.
فإذا كانت التهنئة في العيدين فيها هذا النزاع -وإن كان ضعيفاً- وتكلف الأئمة الاستدلال لذلك والرد على من يمنع، فكيف والحال هذه نأتي لشيء لا آثار فيه، وأمر ما سماه العلماء عيداً طوال تاريخهم، ونسهل فيه ونبيح التهنئة، بل الظاهر أن الأمر يكره، وأنه داخل في حيز الابتداع، فكل ما قيل في النهي عن التهنئة بالعيدين منطبق عليه، وكل ما قيل في تسويغ التهنئة بالعيدين لا ينطبق عليه.