=
=
هذه صورة أرسلها لي بعض الشباب لبعض الناس ممن يحاول جاهداً أن يثبت أمراً محرماً بالإجماع، وهو سماع غناء الأجنبية بناءً على رواية لا تثبت.
وقد قال تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} وأي خضوع أعظم من تطريب الصوت بالغناء، خصوصاً بقصائد التشبيب والنسيب والفراقيات.
وفي كلام الكاتب تلاعب، فالسند الأول الذي ذكره زعم فيه أن رواية ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة على شرط البخاري، والراوي عن ابن أبي الزناد معاذ بن معاذ البصري، ورواية ابن أبي الزناد عن أبيه في بغداد ضعيفة بل ضعيفة جداً.
و قال عبد الله بن على ابن المدينى، عن أبيه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح،
وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن، يعنى ابن مهدى، خطط على أحاديث عبد الرحمن بن أبى الزناد. وكان يقول فى حديثه عن مشيختهم، ولقنه البغداديون عن فقهائهم، عدهم، فلان وفلان وفلان.
ومعاذ البصري غالباً سمعه ببغداد، والإسناد إليه طويل، وهو مما يخطيء فيه الشيوخ الذين يقال (سماعهم صحيح) فيقبل من روايتهم رواية الكتب وما سوى ذلك يتحرز منه إذا روى ما يستنكر.
والسند الثاني فيه أبو الفرج الأصبهاني الرافضي المتهم بالكذب، وكذلك الإسناد الثالث.
والسند الرابع فيه مشكلة ابن أبي الزناد نفسها، والراوي عنه بصري، وفيه زاهر الشحامي متهم في صلاته، ومثله يعتبر إذا روى الكتب وتذكر روايته للبركة، وأما اعتمادها في الأحكام فلا.
والخامس من طريق الأصفهاني أيضاً.
وأما السادس ففي العقد الفريد حقاً، ولكن الأصمعي يرويه مباشرة عن حسان بن ثابت، وهذه رواية معضلة، والكاتب أوهم اتصالها، وقول الكاتب في فرج بن سلام (وثقه أهل الأندلس) من كيسه، وإنما كان راوية لكتب الجاحظ.
وأما رواية ابن قتيبة فهذا نصها: "وحدثني أبو حاتم، عن الأصمعي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: قلت لخارجة بن زيد: هل كان الغناء يكون في العرسات؟
قال: قد كان ذاك، ولا يحضر بما يحضر به اليوم من السفه، دعانا أخوالنا بنو نبيط في مدعاة لهم، فشهد المدعاة، حسان بن ثابت، وابنه عبد الرحمن، وإذا جاريتان تغنيان:
انظر خليلي بباب جلق هل ... تونس دون البلقاء من أحد
فبكى حسان وهو مكفوف، وجعل يومي إليهما عبد الرحمن أن زيدا، فلا أدري ماذا يعجبه من أن يبكيا أباه".
ففيه أن الغناء كان في عرس، وقد رخص في العرس بهذا، وأن اللواتي يغنين جواري صغار وليست مغنية كبيرة معروفة، ومع ذلك لا زالت آفة الرواية حاضرة في شأن ابن أبي الزناد، ورواية العراقيين عنه.
وواضح أن الخبر فيه نقد لدخول المعازف فخارجة يقول: "ولا يحضر بما يحضر به اليوم من السفه".
وأما خبر الزبير بن بكار في الموفقيات ففيه عبد الله بن مصعب الزبيري ضعفه ابن معين وتكلم فيه أبو زرعة، وقول الكاتب وثقه ابن حبان والحاكم تلبيس، لأنهما مشهوران بالتساهل ولا يعتد بتوثيقهما عند التعارض.
وبقية روايات ابن عساكر لا تخرج عما ذكرنا.
عن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع عبد الله بن عمر إلى السوق، فمر على جارية صغيرة تغني، فقال: إن الشيطان لو ترك أحدا لترك هذه. رواه البخاري في الأدب المفرد بسند حسن.
عن عامر بن سعد، قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود الأنصاري، في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم؟ فقال: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، قد «رخص لنا في اللهو عند العرس» . رواه النسائي بسند قوي، وهو محمول على الجواري الصغار، وقولهم (أذن لنا في العرس) معناه تحريمه في غيره.
قال ابن حزم (ومن أشهر من يبيحون المعازف) في كتابه طوق الحمامة: "ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامها فقد أفطر".
ومن عجائب صاحب البطاقة أنه يكثر الطرق ولا يذكر ما قيل في الراوي إلا التعديل، فحتى الواقدي الذي كذبه جمع من الأئمة بحث عمن عدله وذكره فحسب، مما يدل على الهوى.