لا تجزم بسلامة امرئ من الهوى حتى تنظر في جميع أبحاثه ومنهجيته في الاستدلال…
لا تجزم بسلامة امرئ من الهوى حتى تنظر في جميع أبحاثه ومنهجيته في الاستدلال…
منسك المروذي.
هذا الكتاب كلما سمع به المرء تذكر تلك الرواية عن الإمام أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن السؤال هنا: كم واحداً نقل هذا النقل وما هي الفوائد الأخرى من هذا المنسك وكم مرة استشهد به المنتسبون إلى مذهب أحمد؟
في الواقع النقل المشهور هو في كتب ابن تيمية فحسب، ولم أجد أحداً قبله نقل شيئاً عن كتاب اسمه منسك المروذي أو المنسك الذي كتبه أحمد للمروذي، وعامة من ينقل عنه يكتفي بنقل الشيخ.
وعامة المستدلين بهذا النقل تجدهم يطعنون في كتاب الرد على الجهمية والزنادقة المنسوب للإمام أحمد، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن مؤلفه مجسم، مع أن هذا الكتاب رواه الخلال وثبته على أحمد أبو يعلى وابن عقيل وابن الجوزي وابن تيمية وغيرهم، وفقط تشكك فيه الذهبي وهو شافعي.
وأيضاً عدد منهم يطعن في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد مع أنه مروي بأسانيد، ورويت روايات عديدة في كتب مختلفة من طريق عبد الله فيه، وثبته على عبد الله عدد من الحنابلة، وأحياناً يسمونه الرد على الجهمية، ومنهم من يطعن في رسالة عبدوس العطار عن أحمد.
ومنهم من يطعن في رسالة الأصطخري ورسالة مسدد، ومنهم من يقبل كلام الذهبي في رسالة الصلاة، ولا أحد منهم يعتد بما نقله حرب عن أحمد من إثبات الحركة، مع أن كتابه معتمد، وكل هذه الكتب لها مزايا على منسك المروذي أنها لها أسانيد وأنه استشهد بها كبار الأئمة المتقدمين أو رووها، وأما منسك المروذي فلا إسناد له وكل من ينقل عنه إنما يعتمد نقل شيخ الإسلام الذي في بعض الأحيان كان يمرضه فيقول: (ونقل في منسك المروذي).
فلماذا هذا المنسك صار محل قبول مع التشكيك بكل الكتب السابقة؟ وهل خفي هذا المنسك وما فيه خصوصاً الرواية المشار إليها عن أمثال أبي يعلى وابن قدامة وابن الجوزي وغيرهم ممن كتبهم بين أيدينا
ثم إن كثيراً من الأشاعرة والماتردية عندهم موقف سلبي من المروذي ولو صح عنه المنسك.
قال الكوثري في «تأنيب الخطيب» صـ141: " ...المروذي هو صاحب الدعوة إلى أن المقام المحمود هو إقعاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على العرش في جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسمة علواً كبيراً.. فيا سبحان الله متى كان أحمد يقول إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له وقد امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه".
وهنا الكوثري ينقض على نفسه فإن رواية تبرئة أحمد لأبي حنيفة من القول بخلق القرآن من طريق المروذي (وهي من طريق رجل حنفي)، ولكن لما روى رواية أخرى لا تعجبه طعن فيه، فأسقط حجته وحجة خصمه، وأما أثر مجاهد في المقام المحمود فالكلام عليه يطول والمروذي نسب قبوله إلى الإمام أحمد وأئمة العصر ودفعوا عنه الاعتراضات المتوهمة حتى قبله كثير من الأشعرية أمثال ابن العربي والسخاوي وابن حجر وغيرهم كثير، ولكن كثير ممن يعول على هذا رواية المنسك لا يقبل الإجماعات المنقولة على قبول أثر مجاهد من طريق المروذي وغيره.
وأخيراً قال ابن مفلح في «الفروع»: "قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره، وجعلها".
ولو عدنا إلى المستوعب لوجدنا أن النص في التوسل بالدعاء وليس التوسل بالذوات. والله أعلم.
قال في «المستوعب»: "ولا بأس بالتوسل إلى الله تعالى بالاستسقاء بالشيوخ والزهاد وأهل العلم والفضل والدين من المسلمين".
وهو هنا يعني التوسل بدعائهم كما فعل عمر مع العباس وليس الذوات والله أعلم لعدوله عن ذكر الأنبياء وهم أحق من توسل به إن صح توسل بذات، فذكره الصلحاء وأهل العلم والفضل يوحي بأنه يريد ما روي عن معاوية من الاستسقاء بدعاء يزيد بن الأسود وما كان من عمر في شأن العباس وصاحب المستوعب عاش في القرن السابع الهجري ولَم يجد ابن مفلح أحداً قبله يعزو إليه هذا، وابن مفلح تلميذ ابن تيمية أقدم من أدخل التنصيص على التوسل بذوات الصالحين في كتب المذهب، وجعلها مسألة في كتاب الاستسقاء بناء على فهمه لما في المستوعب وقد تبين لك ما فيه.