كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب العابد الذي كانت محنته منحة

المصدر
في رحاب العابد الذي كانت محنته منحة محنة الإمام أحمد مع الخلفاء العباسيين في فتنة القول بخلق القرآن مليئة بالفوائد والعبر، وهي ملهمة غاية لكل من أراد التصبر على فتنة عظيمة يُمتحن فيها إيمانه. غير أن هناك مشاهد من هذه المحنة لا يعرفها كثيرون، منها قصة ذاك البصري العابد الذي كان قدرياً فلما سجن مع الإمام أحمد في المحنة تعلم من أحمد السنة وترك قول القدرية. قال الذهبي في تاريخ الإسلام (5/511) ط دار الغرب بتحقيق بشار عواد معروف: "19- أحمد بن غسان البصري العابد. [الوفاة: 221 - 230 ه] أحد مشايخ العابدين بالبصرة. صحب أحمد بن عطاء الهجيمي الزاهد، وبنى دارا للزهاد. وكان يعظ ويتكلم على الأحوال بعد شيخه، ولكن كان يقول بالقدر، ورجع عنه. فلما كانت المحنة أيام المعتصم أبى أن يقول بخلق القرآن، فحمل إلى بغداد فحبس بها. فاتفق معه في الحبس أحمد بن حنبل، والبويطي. قال علي بن عبد العزيز البغوي: سمعت البويطي يقول: قلت لأحمد بن حنبل: ما أحسن كلام هذا الرجل، يعني أحمد بن غسان. قال: إنه بصري وأخاف عليه، يعني القدر، إلا أنهما سمعا كلامه، وأعجبهما هديه، وخاطباه في القدر، فرجع عنه. قال ابن الأعرابي: وأخبرني بعضهم أن هذا كان يتهيأ للجمعة، ويجيء إلى باب السجن، فيرده السجان، فيقول: اللهم اشهد. وذكر عبيد الله بن معاذ العنبري أن كتابا ورد عليهم من بغداد برجوع ابن غسان عن القدر. قال ابن الأعرابي: إلا أن أولاده وأصحابه ينكرون ذلك. قال: ومات فيما أحسب ببغداد في السجن. وأخبرني أحمد بن محمد المازني أنه سمع أبا داود يقول: قال أحمد بن حنبل: ما خرجت حتى رجع أحمد بن غسان عن القدر". وفي الحلية لأبي نعيم ذكر لسجنه مع الإمام أحمد، وحال هذا الرجل مصداق لقوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}. وقوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله}. فلما صبر على جور الجهمية كافأه رب العالمين بأن أرسل له من يخرجه من بدعة القدرية {والذين اهتدوا زادهم هدى}. وكم من إنسان تكون محنته منحة، فقد رأينا بعض الكفار دخلوا السجون فتعلموا الإسلام في السجن. وبعض من أصيب بمصائب كانت باباً لاستقامته، وأن يجد لذة القرب من الله عز وجل، وذهبت المصيبة وبقيت التقوى والحمد لله. فكم من إنسان يقاد إلى بلد التقوى والإيمان مقيداً بسلاسل المصائب، كالرجل المشرك الذي يسبى ويكون أسيراً عند المسلمين فيتعلم الإسلام فيكون أحب إليه من ماله وولده، فيعلم أن ذلك الأسر الذي أغمه أشد الغم كان بداية تحرره من عبادة غير الله.