كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الحكمة من خلق المتضادات والرحمة في ذلك.

المصدر
الحكمة من خلق المتضادات والرحمة في ذلك. قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقومٍ يسمعون}. وقال تعالى: {ومِن رحمته جعَلَ لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}. الليل والنهار متضادان ومع ذلك وجودهما تظهر فيه الحكمة والرحمة وهذا ذكرني بحديث "اختلاف أمتي رحمة" وهو خبر لا أصل له ولكن معناه ورد عن بعض السلف وكان قد اعترض ابن حزم على متنه فقال كلاماً معناه إذا اختلافهم رحمة فوفاقهم نقمة وهذا لا يقوله مسلم فأجابه بعض الناس بأن هذا ليس بلازم فالليل والنهار ضدان وكل واحد فيهما يظهر فيه مظهر مِن مظاهر الحكمة والرحمة بنصِّ القرآن وكذلك أمر الاجتماع والافتراق. وأقول موضِّحاً لذلك: الوفاق في الجليَّات يكشف أهل البدع والخلاف في الخفيَّات فيه يتنافس المتنافسون فالمخطئ له أجر والمصيب له أجران وخلافهم يقوِّي وفاقهم لأنهم لو كانوا يتفقون بسبب أمر سلطان عليهم أو بسبب رغبة مجرَّدة في الوفاق ما اختلفوا، لهذا مَن يقرأ في خلافيات الفقهاء يعظُم في نفسه وِفاقهم لأنهم ما اتفقوا إلا والخلاف المعتبَر بابه مسدود لأن كل واحد منهم عنده استقلالية بالتفكير فلا تجد منهم فقيهاً إلا وقد خالف الجمهور في مسائل وما بالى. والأمر نفسه يقال في علماء الجرح والتعديل، وهكذا عليك أن تشاهد الحكمة والرحمة في المتناقضات فوفاق الصحابة نعمة مِن الله والفتنة التي حصلت بينهم كان فيها من مظاهر الحكمة ما فيها فالصحابة على خلافهم ما اتَّهَم أحدهم الآخر بالكذب على رسول الله ﷺ أو تحريف القرآن بل حدَّث عمار بفضيلة عائشة وحدَّث علي بفضيلة الزبير وأنَّ قاتله في النار وفضل الشام وأنَّ منهم البدلاء وحدَّث الفريق الآخر بفضل عمار فدلّ على إنصافٍ عظيم وتجرُّد وأنه لا يصدُّهم شيءٌ عن تبليغ ما جاءهم عن رسول الله ﷺ وأنَّ هذا عندهم يتسامى على كل شيء وهكذا وجود الشيعة في الدولة الأموية وظهور أحوالهم وغلوهم في آخرها يدل على كذب ما يدَّعى من كونهم كانوا يزَّوِّرون الفضائل لأنفسهم ويفرضون عدم التحديث بفضائل أهل البيت. وهكذا أمور كثيرة لو تدبرتها، فعلى سبيل المثال وجود دولة لأهل الرأي وكثرة الجهمية في الأزمنة المتأخرة ومع ذلك كُتُب الحديث التي تتقصد الرد على الجهمية وأهل الرأي لا زالت على ما هي عليه ما استطاع أحد محو ما فيها فدل على أن الأمر متسامي على سلطة السلطان. ولو تدبَّرتَ لرأيت الحكمة جليَّة في المتناقضات فالذي يُنعَم عليه يُختبَر فيه عبادة الشكر والذي يُبتلَى يُختبَر فيه عبادة الصبر وكانوا كذلك ليُرى المبتلى هل يصبر ولا يحسد ويُرى المُنعَم عليه هل يواسي المبتلى أم لا. وهكذا في الذكورة والأنوثة دل افتقار كل منهما إلى الآخر على نقص كل منهما وافتقار الاثنين للكريم الكامل، وكل منهما له اختباره بحسب ما قسم الله بين الخلق فمن أراد أن يساوي بين الاثنين فقد طلب المستحيل وجهِل الحكمة والرحمة.