كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= ويقول الفيلسوف ادغار موران في مقاله "التعقيد الأخلاقي" شارحًا المشكلة نفسها: "إن مشكلة القيم في القرن الحادي والعشرين تأتي من التعقيد الأخلاقي. حتى يومنا هذا، كانت مسألة تأسيس القيم بمنتهى البساطة: أعطى الله شرائع للبشر من أجل عمل الخير. والقضية كانت مشابهة بكل الأحوال في الإطار العالماني للمجتمعات المترابطة بقوة، لأن الدوافع الأخلاقية كانت مستبطَنة بعمق. فالامتثال للقيم واحترامها كان من المسلَّمات. كما هو معلوم، حصل تبدّل مع تنامي الاستقلالية والمسؤولية الفردية، لأن الإلزام لم يعد يأتي من الله، ولا من الدين، ولا من الدولة، ولا من المجتمع، وإنما من الفرد ذاته، وفقًا لنظرية الإلزام الجازم عند كانط. لقد أصبح هذا الإلزام معزولًا، يُنتِج ذاته ويبرر ذاته، وهذه الوضعية يجب أن تتطور تبعًا للوعي بأن ما هو إنساني ليس الفرد وحده، ولا المجتمع، ولا جنسنا البيولوجي، وإنما الثالوث المكوَّن من هذه المصطلحات الثلاثة في تداخلها. من هذا المنظور تصبح القيم متعلقة إذن بالفرد من خلال مسؤوليته وكرامته وفضيلته وشرفه، ولكنها أيضًا متعلقة بالمجموعة وبالجنس، خاصة في سياق العولمة. وبما أنه من الصعب احترام هذه المستويات الثلاثة من الإلزام في الوقت نفسه، فإنه كثيرًا ما يظهر تضارب في الواجبات". أقول أنا عبد الله: مجتمعاتنا تحتفظ بالكثير من القيم باسم الدين أو الأعراف أو احترام الأسرة، ولكنَّ إضعافَ هذه المنظومات أو تدميرَها مرهونٌ باستيراد خطابٍ فردانيٍّ باسم الحرية والتنوير يَبني نفسَه على (خطاب حقوقي متسامٍ) يهدم لنا كلَّ شيء لكي لا يَبنيَ شيئًا بعدها، فنكون كمن رأى سرابًا فردم بئره وذهب يركض للسراب. والمجتمعات التي لا يمكنها أن تُحدِّدَ قيمًا ثابتةً أصلًا سوى معيارٍ نفعيٍّ آنيٍّ متضاربٍ مجتمعاتٌ على غاية من التعاسة لا كما يصوِّرون لك، ولا يغرنَّك البهرج.