كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التعاقل البارد

المصدر
التعاقل البارد في هذه الأيام التي يضج بها العالم بأخبار فيروس ( كورونا ) تقع جدليات فرعية هنا وهناك على ما اعتدناه في كل حدث ، وكان المثقفون قديماً لا نراهم إلا من خلال كتاب ثقفته عقولهم مدة طويلة وروجع مرات وكرات حتى صار لهم من الهيبة في نفوسنا ما صار فلما جاءت مواقع التواصل الاجتماعي أغراهم ذلك إلى الكتابة في الكثير من الأحداث على البداهة دون كثير تنقيح أو تدبر ولا أخفيكم كثير منهم صغر في عيني معلوم أن هناك فئة من أبناء الحركات الإسلامية أخذت على نفسها مراجعة ( الخطاب الوعظي ) الذي كان سائداً في الساحة فيما يزعمون والذي أراه أن الأمر خرج في عدد منهم عن حد الاعتدال إلى التحامل والمعاكسة والمناكفة والتهويل في تصوير مقالات الخصوم فقد قرأت وسمعت لعدد من الكتاب يسخر ممن يتحدث عن أن هذا ( الفيروس ) موعظة إلهية ويقول أنه من الأفضل أن نبحث عن علاجه بدلاً من الحديث عن أنه غضب إلهي أو عقوبة وأنه دخل ديار المسلمين الآن ( وكأن المسلمين على الاستقامة التامة ) ، وبعض الليبراليين سخر من أمر الدعاء والواقع أن هذا الخطاب إن كان يرمي ما يسميه بالخطاب الوعظي بالسطحية فهو له حظه من السطحية البالغة فإن مما يعلمه أهل العلم أن مشاهدة العبرة من الابتلاء لا تنافي الدعاء بكشفه أو السعي لكشفه ولا منافاة بين الدعاء والسعي قال تعالى : ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) قال الطبري في تفسيره :" فامتحناهم بالابتلاء "بالبأساء"، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة "والضراء"، وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام" أقول : ولا أحد من العالمين فهم أن هذا معناه أنك لا تتعالج أو تسعى في كشف الفقر بطلب الرزق ولكنك تعتبر بالابتلاء العارض أنك ضعيف وأن هذه الدنيا ليست نعيماً خالصاً ولا دار قرار فيحدوك ذلك إلى النظر في عاقبتك وأمر أخراك فحتى لو كشفت هذه المصيبة فقد رأيت من ضعفك أثناءها ما رأيت وإن كشفت عنك فلم تكشف عن غيرك وأنت لا تدري متى تعود واحدة من نظائرها وقد وردت الأخبار بأن الطاعون شهادة ومع ذلك أمر بالتحرز منه حتى أنه ورد في الخبر الحث على عدم الدخول في أرض فيها طاعون وقال عمر : نفر من قدر الله إلى قدر الله . ولا تناقض وأما الاستهانة بأمر الدعاء فالدعاء لا ينافي الأخذ بالأسباب فالمسلمون كانوا يطلبون الرزق ويجاهدون ويبذلون الأسباب في جلب كل خير أخروي ودنيوي ومع ذلك يدعون الله عز وجل أن ييسر لهم ذلك ، وأهل العلم يقرأون في كل صلاة ( اهدنا الصراط المستقيم ) ولا يمنعهم ذلك من الدرس والبحث طلباً لمزيد من الهداية وذلك أن الأسباب في النهاية ليست علة تامة فقد تؤثر وقد يمنع من التأثير عوامل أخرى عارضة والإنسان يؤثر في بعض العوامل بإذن الله ولا يمكنه التأثير فيها كلها ثم التوفيق إلى معرفة الأسباب الصحيحة كيف يكون ؟ ويا ليت شعري هذه الأمراض المستعصية ما أكثرها وكثير منها ليس للمرء منها إلا التعوذ وكل واحد منا مرشح أن يصيبه شيء منها( ولكن فضل الله علينا عظيم ) وأسباب الوقاية ما منع منها أحد غير أن الكل يعلمون أنها ليست حتمية فالأمر كله بتوفيق الله. =