في رحاب الكوفيين في زمن التابعين
في رحاب الكوفيين في زمن التابعين
قال ابن أبي شيبة في المصنف 39017- حدثنا وكيع ، قال : حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، قال : قيل له : أشهدت صفين ، قال : نعم ، وبئست الصفون كانت.
شقيق بن سلمة هذا هو أبو وائل أحد كبار ثقات الحديث في الكوفة وقد كان محضرما والمخضرم هو من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره فيسمى تابعياً مخضرماً
شهد صفين مع علي بن أبي طالب وندم على هذه الحرب
فكم حديثاً تتوقع روى عن علي بن أبي طالب؟
وهو يعيش في البلد الذي لا يختلف الناس في ولاء أهله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأن الرجل إذا إذا ذكر علياً ينبل فيهم ، وعدد من تلاميذ أبي وائل مذكورين بالتشيع _ بالمعنى القديم والذي يعني تفضيل علي على عثمان وربما غلا بعضهم ففضله على الشيخين _ دون سب لعموم الصحابة
في الواقع أبو وائل ليس له عن علي بن أبي طالب في الصحيحين أي حديث بشكل مباشر
بل روى عنه حديثاً بواسطة في صحيح مسلم فروى عن أبي هياج الأسدي عن علي بن أبي طالب : قال لي علي بن أبي طالب : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته.
ولو رواه أبو وائل عن علي بن أبي طالب مباشرة لصدقه الناس
ولكنه صادق يتحرى الصدق وخارج الصحيحين هناك حديث في الأذكار يرويه عن علي مباشرة دون ذكر سماع ( اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك )
فما سبب قلة روايته عن علي بن أبي طالب مع كثرة روايته عن ابن مسعود وقد روى عن عمر أيضاً أخباراً مع أنه عايش علياً في الكوفة ؟
السبب والله أعلم أنه عايش علياً وهو كبير في السن وأما الأحاديث التي حملها عن ابن مسعود فقد حملها وهو صغير فهو متأكد من حفظه لها
ثم إن علياً رضي الله عنه لما سكن الكوفة وجد عبد الله بن مسعود قد غرس علماً عظيماً في أهلها فكان يكتفي بما وضع ابن مسعود فيهم ولا يحدث إلا بما يراه ضرورة فإن تلاميذ ابن مسعود كانوا يقومون بالواجب في الغالب وكانوا جماعة من كبار الأئمة الأعلام
ودليل ما أذكر لك أن الكوفيين مع ظهور كل أنواع التشيع فيهم ولا يختلفون في محبة علي بن أبي طالب حتى أن عامة فضائله رويت من طريقهم إلا أن رواياتهم عن ابن مسعود في الأحاديث والفتاوى أكثر من رواياتهم عن علي بن أبي طالب لأن ابن مسعود دوره فيهم تأسيسي منذ زمن عمر وأما علي فسكن عندهم مؤقتا ثم توفاه الله عزوجل
وهذا لو تأملته لوجدته قرينة صدق عظيمة فيهم ثم تأمل في حال الروافض الإمامية الذين ظهروا بعد ذلك الزمان تجدهم جعلوا السنة كلها من طريق علي بن أبي طالب!
لاستسهالهم طريق الكذب واشتداد التعصب فيهم فكان حالهم دالاً على اعتدال متقدمي الكوفيين مقارنة بهم ،أو على الأقل تحريهم الصدق فيما يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم ،وقد ظهر فيهم كذابون ولكن الغالب كان للصدق وحتى من يكذب لم يكن برقاعة كذابي الإمامية القميين غلاة الكذب الذين تجرأوا حتى على القرآن فقالوا بتحريفه
فإذا تأملت حال رواية أبي وائل عن علي وحال رواية عموم الكوفيين عن ابن مسعود مقارنة برواياتهم عن علي بن أبي طالب مع شدة محبتهم لعلي حتى أنهم قاتلوا معه تبين لك وجهاً جديداً من أوجه الثقة بما يرويه ثقات القوم وأن المحدثين ما وثقوهم عن عاطفة مجردة
والكوفة كانت دار علم لما توسع بعض المتأخرين بالاعتذار لأهل الرأي حقروا من شأن أهلها
وإلا ففيها فقهاء كثير بلغوا ما يعتبره المتأخرون رتبة الاجتهاد المطلق مثل عبيدة السلماني وعلقمة والأسود والشعبي وإبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وغيرهم في طبقة التابعين ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح وغيرهم في طبقة أتباع التابعين
وهؤلاء مذاهبهم ورواياتهم وأقوالهم تملأ الكتب الفقهية القديمة وقد احتمل الناس هؤلاء الفقهاء مع أن في أقوالهم صواباً وخطأ وإنما اشتدوا على أهل الرأي لفساد أصولهم
قال الشافعي في الأم :" ورأيت بالكوفة قوما يميلون إلى قول ابن أبي ليلى يذمون مذاهب أبي يوسف وآخرين يميلون إلى قول أبي يوسف يذمون مذاهب ابن أبي ليلى وما خالف أبا يوسف وآخرين يميلون إلى قول الثوري وآخرين إلى قول الحسن بن صالح وبلغني غير ما وصفت من البلدان شبيه بما رأيت مما وصفت من تفرق أهل البلدان ورأيت المكيين يذهبون إلى تقديم عطاء في العلم على التابعين وفي بعض العراقيين من يذهبون إلى تقديم إبراهيم النخعي"