ويقول الشيخ عبد الرحمن: "كنت أحب هذا يا أخي الكريم (يعني الاعتذار للغزالي) ولكن
ويقول الشيخ عبد الرحمن: "كنت أحب هذا يا أخي الكريم (يعني الاعتذار للغزالي) ولكن يا ليت خطأ الغزالي في الفروع أو حتى بعض في الأصول، ذلك لأن أخطاء الغزالي في أهم أس بني عليه الإسلام، وهو التوحيد، وفي البدائة الأولى التي يفهمها العامي المسلم، بل إن الغزالي في كثير من كتبه أنجد واتهم بالغلو الفلسفي الذي يبعد بالنفس بعدًا سحيقًا عن الإسلام".
ويقول أيضًا في الكتاب نفسه: "ثم إخواننا الناقدون لي يكفرون من يتوسل بصاحب قبر، فيا ترى هل سيحكمون على الغزالي بمثل هذا.." ثم نقل نصوصًا يرى أنها قبورية، والتوسل بدعة وإنما الشرك في الاستغاثة.
ومن أراد بقية كلام الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله فليراجعه، وأنا إنما نقلته لأبيِّن أن هناك من المنسوبين للعلم من كان له رأي شديد في الغزالي وحاول أن يدلل والناس احتملوا ذلك منه وافقوه أم خالفوه.
الشخصية العلمية الثانية هي الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه في مختصر الفتاوى المصرية للبعلي، والذي أشرف على تصحيحه الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية.
يقول في ص٥٧٨ معلقًا على كلام الشيخ عن الغزالي: "لم يرجح شيخ الإسلام أحد القولين (يعني في خاتمة الغزالي)، فلعله ترك للباحث المستقري لكتب الغزالي، ولعله يميل إلى أنه كما يقول تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي "حاول شيخنا أن يخرج الفلسفة من بطنه فلم يقدر"، وكتابه الإحياء الذي يعدونه دليلًا على توبته هو أوضح الدليل على أنه مات على دين الفلاسفة إن كان مات عليه (يعني على ما في الإحياء) لأنه حاول أن يصبغ الإسلام بصبغة الفلسفة الإشراقية".
والإغلاظ على الغزالي ليس خصوصية سلفية في الأزمنة المتأخرة بل صدر ذلك من أشاعرة، من أشد ما وقفت عليه قول ابن عطية في المحرر الوجيز حيث قال في تفسيره (٤ /٣٨٨): "وما ذكره الغزالي في هذه الآية وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد إلحاد عندي وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم النبوءة، فالحذر الحذر منه والله الهادي برحمته".
وبما أننا ذكرنا بعض العلماء المعاصرين ممن كانوا يتكلمون بأريحية في قضايا فرضت الوصاية الحركية السكوت فيها، سأضرب مثالًا آخر من كتاب شهير غاية وهو كتاب التنكيل:
قال المعلمي في التنكيل (٢/ ٦٨٢): "فتدبر ما شرحناه ثم تأمل ما تقدم عن العيني، ثم راجع الطرق الكثيرة بالأسانيد الصحيحة لقصة استتابة أبي حنيفة من الكفر مرتين، وأكثر تلك الطرق مسلسلة بالرجال المعروفين ما بين محدث ثقة وحافظ ثقة وإمام شهير، وانظر ما يقول فيها العيني والكوثري حتى كان أئمة الحديث ورجاله وفقهاء المذاهب الأخرى أهل عند العيني والكوثري لكل كذب، وإن اشتهروا بالإمامة والثقة والصدق والتقوى، بخلاف أصحابهما أهل الرأي كأنه لا يكون منهم ولا من حمرهم وكلابهم إلا الصدق.
ومع ذلك يرمي هؤلاء القوم مخالفهم بالتعصب واتباع الهوى ويكثر الأستاذ من قوله: «وقانا الله إتباع الهوى. نسأل الله الصون. نسأل الله السلامة» وأشباه ذلك، ويتحرى بهذه الكلمات مواضع ارتكابه الموبقات! والله المستعان".
كان المعلمي هادئ النقد غير أن التعصب الشديد من الطرف المقابل والجرأة على تكذيب الثقات أوصله إلى هذه الغلظة، وكتابه هذا مليء بالتحريرات العلمية، وهذه الرواية التي قوَّاها المعلمي لا تعني أنه يحكم على هذا المذكور بأنه ختم له بهذا الذي استتيب منه ولا أنه لم يختم، وإنما هذا حدث تاريخي يراد توثيقه، ولو صدق المتاجرون بجهل العوام مع أنفسهم لنالوا من هؤلاء المشيخة ومن وافقهم ومن طبع كتبهم ومن حققها بنحو مما يبغون به على الخلق، ولكن لا يسلم صاحب هوى من تناقض.