في رحاب الأمير التركي الحنبلي السني المنسي...
في رحاب الأمير التركي الحنبلي السني المنسي...
قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» [33/238]: "تتش بن ألب أرسلان أبي شجاع محمد بن داود بن ميكال بن سلجوق بن دقاق.
الملك أبو سعيد تاج الدولة السلجوقي، ولد السلطان وأخو السلطان.
تركي محتشم، شجاع، من بيت ملك وتقدم. مر كثير من سيرته وفتوحاته العظيمة في الحوادث.
استنجد به صاحب دمشق أتسز على قتال عسكر المصريين الرافضة،
فقدم دمشق في سنة اثنتين وسبعين، وقتل أتسز في تلك الأشهر، وملك دمشق، وقيل إنه كان حسن السيرة. وبقي على دمشق إلى صفر سنة ثمان هذه، فقتل بمدينة الري.
وكان قد سار من دمشق إلى خراسان عند ما سمع بموت أخيه السلطان ملك شاه ليتملك، فلقيه ابن أخيه السلطان ملك شاه لتملك، فلقيه ابن أخيه بركياروق، فقتل تتش في المعركة، وتسلطن بعده بدمشق ابنه دقاق الملقب شمس الملوك، أخو فخر الملوك رضوان.
وكان تتش معظِّما للشيخ أبي الفرج الحنبلي. وقد جرت في مجلسه بدمشق مناظرة عقدها لأبي الفرج وخصومه في قولهم: إن القرآن يُسمع ويُقرأ ويُكتب، وليس بصوتٍ ولا حرف. فقال الملك: هذا مثل قول من يقول هذا قباء، وأشار إلى قبائه، على الحقيقة، وليس بحرير، ولا قطن، ولا كتان.
وهذا الكلام صدر من تركي أعجمي، فأيد الله شرف الإسلام أبا الفرج، فجاهد في الإسلام حق جهاده، ثم خلّف ولدا نجيبا عالما سيفا مسلولا على المخالفين، وهو شرف الإسلام عبد الوهاب".
قلت: هذا الأمير صاحب فتوحات ونكاية في الروم والرافضة، وكان معظِّماً للحنابلة حاطاً على الأشعرية.
فقوله: "هذا مثل قول من يقول هذا قباء، وأشار إلى قبائه، على الحقيقة، وليس بحرير، ولا قطن، ولا كتّان" يشير إلى استنكار كلام الأشعرية، الذين يقولون في كلام الله -الذي هو صفة لله عز وجل- إنه ليس بحرف ولا صوت ولا لغة ولا فيه تقديم ولا تأخير وهو معنى واحد؛ ولهذا لا يتعلق به الإعجاز وإنما الإعجاز متعلق بشيء مخلوق!
وهذا بنَوه على قولهم بأن الله -عز وجل- لا يفعل ما شاء متى شاء من الأفعال الاختيارية القائمة بذاته.
قال ابن تيمية كما في «الفتاوى الكبرى» [6/528]: "وكذلك قولهم في النهي، وكذلك قولهم في الخبر هو معنى واحد هو معنى ما أخبر الله به من صفاته كآية الكرسي وسورة الإخلاص وما أخبر به من قصص الأنبياء والمؤمنين والكفار وصفة الجنة والنار، ومن المعلوم أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر وأن الأمر بالسبت ليس هو الأمر بالحج وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم".
وقال في الدرء [4/112]: "ولا ريب أن جمهور العقلاء من الأولين [والآخرين] القائلين بأن القرآن غير مخلوق، والقائلين بأنه مخلوق يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة (يعني قول الأشعرية في القرآن)".
وقد كان من هؤلاء العقلاء هذا الأمير التركي الأعجمي؛ لهذا الذهبي تعجَّب منه فقال: "وهذا الكلام صدر من تركي أعجمي"، يعني أنه على عجمته أدرك ما في قولهم من العجب وضرب مثلاً مقرِّباً يُبطل مقالتهم.
ومن هنا يُعلم أن السلاجقة ليسوا رجلاً واحداً من ناحية الاعتقاد، والأمر نفسه يقال في بقية الدول.
ويُعلم أيضاً أن التكثر بالأمراء ممن كانوا على المذهب لدعوى صحة المذهب حجة ضعيفة؛ لأنها حجة مشتركة بين الفرق، فكل فريق عندهم أمراء على مذهبهم ولهم إنجازات سياسية، ففاتح الهند محمود الغزنوي كان يلعن القوم على المنبر ومثله طغربلك منقذ الدولة العباسية، ثم إن المنتسبين للعلم قولهم لا يكون حجةً إلا مع الأدلة فما بالك بمن هم من العامة، غير أن هذا الرجل خاطبوه بما يزعمونه عقلاً، فكلمهم بالعقل فقال ما يخصمهم.