المبالغة في التنزيه (المثالية) ثم التعطيل ثم الشرك (الخطيئة المشتركة بين الجهمية
المبالغة في التنزيه (المثالية) ثم التعطيل ثم الشرك (الخطيئة المشتركة بين الجهمية والعالمانية)
مفهوم (التنزيه) عند الجهمية -وقد أخذوه من اليونان- مفهوم مثالي تجريدي ليس هو ما يفهمه البشر المؤلهون.
فعادة الجهمية أنهم بحجة الهروب من وصف الإله بصفات البشر يصفونه بصفة المعدومات (فالعدم مثلًا يَصدُق عليه لا داخل العالم ولا خارجه) أو الجمادات (فالجماد يَصدُق عليه أنه لا يجيء ولا ينزل ولا تقوم به رحمة).
وإلا فعامة البشر يؤمنون بالقَدْر المشترك ولا يرونه تشبيهًا، فمثلًا حين يقرأ الإنسان: {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}، يفهم أن الله رحيم، وهناك مخلوقات رحيمة، وأن الرحمة معنى مشترك، ولكن كمالها عند الله، وأما البشر فيتصرَّفون بها على جهة النقص وما يليق بهم.
ولكن المعطل نظرَ للقدر المشترك دون القدر الفارق بتجريدية بغيضة، فانتهى إلى تنزيه الله عن هذا الكمال!
فالله عز وجل له وجه سبحانه يطمع أهل الإيمان برؤيته يوم القيامة وذلك أعظم ثوابهم، والبشر لهم وجوه تُرَى (هذا القدر المشترك)، ولكن وجه الله لم يسبقه عدم ولا يلحقه فناء وجماله مطلق سبحانه (هذا القدر الفارق).
وهذا الذي جُمِع في قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
"ليس كمثله شيء" تنبيهٌ على القدر الفارق، "وهو السميع البصير" تنبيهٌ على القدر المشترك.
ولولا هذا الأمر ما تعبَّد الناس لله، ولا فهموا النصوص، ولا فهموا أسماءه وصفاته. فالوحي حقيقته علم الله وكلامه إلينا، ولا بد من قدر من خلاله نفهم هذا الكلام ونتعلم هذا العلم. ولهذا الوثنيون نزَّهوا الله عن أن يرسل رسولًا بهذه الشبهة البائسة، ثم هُم اتبعوا آباءهم وأهواءهم.
وكان من حال اليونان ثم الجهمية أنهم لمَّا جرَّدوا الله عن كمالاته بحجة التنزيه تطلَّبت نفوسهم العبادة فعبدوا الأوثان، وأما الجهمية في الأمة فعبدوا الأولياء والأنبياء، ثم وصفوا هؤلاء بالصفات التي تنبغي لله، فأثبتوا لهم كمالات فيها قدر مشترك وقدر فارق.
فبدأ الأمر بالتنزيه المزعوم ثم التعطيل ثم الشرك.
وهكذا الأمر نفسه مع العالمانية لو تدبَّرت نظرتهم للدين.
فالأخلاق الكانطية متسامية عندهم لا تتعلَّق بمصلحة، فالكذب خطيئة مطلقًا، لا يوجد ضرورات حتى لو كان الكذب سيَمنع سفكَ دم بريء مثلًا (هذا المثال مستفاد من أحد الأخوة).
فكانط في أخلاقه المثالية يشاهد القدر المشترك بين (الكذب السوء) و (الكذب لضرورة) وهو تغييب الحقيقة، دون مشاهدة القدر الفارق، بخلاف الشريعة التي أباحت الكذب في مواطن معينة ضرورية، وحرَّمت الصدق في القذف إن لم يكن نصاب الشهود كافيًا، مع كون الشريعة تحثُّ على الصدق وتنهى عن الكذب بالجملة.
الأخلاق الكانطية هي التي من خلالها يفهم كثير من المنتسبين للملة الدين، فيقولون (الدين الحق لا عنف فيه) (الدين الحق لا تمييز فيه)، ولا يُفرِّقون بين عنف بحق وعنف بباطل. ولا شك أن مثل هذا لا يمكن تطبيقه وإلزام كل الناس به، كما هو شأن النص النصراني (إذا ضربك على خدك الأيمن فأدِر له الأيسر).
فلما نزَّهوا الشريعة عن واقعيتها، عطَّلوها، وبعد أن عطَّلوها لجأوا للقوانين الوضعية والأحوال المدنية.
والأمر نفسه في سياق النسوية، كثيرون قرأوا الشريعة قراءة مثالية جدًّا وحالمة في موضوع المرأة، دون مشاهدة الغُنم بالغُرم (أيْ وجود حقوق يقابلها واجبات والعكس)، بل صارت القوامة تكليفًا فقط دون تشريف، وهذا غير واقعي ومجحف أن تُثقِل كاهل إنسان بمسئوليات زائدة عن غيره دون أن تُعطِيَه أي امتيازات. هذه المثالية أدَّت لاعتقاد البعض عدم إمكانية تطبيق الشرع، ثم لجأوا للقوانين المدنية ظنًّا منهم أنها تنصفهم.
هذه هي القصة المتكررة، تنزيهٌ مزعوم أو مثالية وقراءة النص من خلال ذلك أو على الحقيقة عسف النص أو هدر النص ثم التعطيل ثم اللجوء للمنظومات البديلة أو الأوثان.
ولهذا إذا قالوا لك: "إذا تعارض العقل والنقل" فاعلم أنهم يتكلَّمون عن هذه المثالية التجريدية، وليس هذا عقلًا في الحقيقة بل سفه، وإذا قالوا لك: "الإنسانية قبل الدين" فاعلم أنهم يتكلمون عن الأخلاق الكانطية مستحيلةِ التطبيق والتعميم.
لهذا المشروع التيمي (نسبة لابن تيمية) في نقد الجهمية الأشعرية ليس منفصلًا عما نحن فيه، بل هو المشروع الأمثل لمواجهة هذا.