نظرية الإمامة وظلها الحركي...
نظرية الإمامة وظلها الحركي...
قال محمد باقر الصدر كما في محاضراته المفرغة أئمة أهل البيت : حكم غير المعصوم يعني حكم مكونات شخصيته غير الإسلامية:
حينئذ: من هو الحاكم الآن؟
الحاكم الآن هو أبو بكر. لكن سوف نبدل شخص أبي بكر بشيء آخر، برقم آخر؛ لأن أبا بكر ما هو معناه ؟
أبو بكر معناه هذه المجموعة الكثيرة من الأفكار والعواطف والمشاعر والانفعالات، هذا هو أبو بكر .
أبو بكر الحاكم هو عبارة عن هذه الكومة من الانفعالات والعواطف والمشاعر والأفكار. إذا فالحاكم هو هذه الكومة من الأفكار والعواطف والمشاعر والانفعالات.
افرضوا أن هذه الحفنة، افرضوا أنه صدق [أهل] السنة، وأن هذه الحفنة فيها خمسون بالمئة من الإسلام، [أن] خمسين بالمئة من هذه الكومة من الأفكار والعواطف كانت إسلامية، لكن فيها خمسون بالمئة ليس إسلاميا.
إذا، فقد أصبح الحكم مزدوج الشخصية ، أصبح الحاكم في المقام عبارة عن خمسين بالمئة من الأفكار والعواطف الإسلامية - من وجهة رأي [أهل] السنة - وخمسين بالمئة من العواطف والأفكار غير الإسلامية والجاهلية في المقام . انتهى .
أقول : هنا يشرح محمد باقر الصدر الطريق الأشهر عند الشيعة الإمامية على وجوب اعتقاد وجود إمام معصوم يحكم بين الناس وأنه لا يصلح لهذا إلا المعصوم والطريقة مبنية على عدة مقدمات
المقدمة الأولى :
أن الرسالات جاءت لتحقيق العدل التام في الأرض وأن هناك صورة ممكنة لفردوس أرضي أو حال كامل على هذه المعمورة قبل الآخرة حال كامل لأهل الإيمان ينتقمون من أعداءهم وتتم لهم كل فضيلة حتى تجد في بعض رواياتهم أن أعداء أهل البيت في زمن الرجعة يأكلون العذرة ( الفضلات )
المقدمة الثانية :
أن العامل الأقوى والأوحد في تحصيل المعنى المذكور أعلاه هو العامل السلطوي بمعنى وجود سلطة ترعى الفضائل وتؤز الناس إليها أزا وتدحض الباطل بالكلية
المقدمة الثالثة :
أن فاقد الشيء لا يعطيه فهذا الكمال لا يحققه إلا إنسان كامل في السلطة
( الإمام المعصوم ) وكل متقدم بين يديه ظالم لا فرق فيه بين عمر بن عبد العزيز والحجاج !
ولهذا المعصوم ( منتظر ) لتحقيق هذا المعنى لهذا تجد منهم القراءات المتحاملة على التاريخ الإسلامي والتي يقلدهم بها العالمانيون
حيث يجعلون أي خلل دليلا على بطلان تلك المنظومة القديمة برمتها دون النظر لما جلبته من مصالح
هذه النظرية الموجودة في هذه السياقة الكلامية الشيعية تم التعديل عليها وتحولت إلى نظريات حركية سنية وشيعية وسيطرت معطياتها أو بعضها على عقول الكثير من الناس ، فكثيرون قبلوا بالنظرية في أصلها ولكن أزالوا جانب المعصوم ووضعوا مكانه الإمام العادل ، أو ولي الفقيه عند الشيعة ، أو الحكم الجمعي الديمقراطي المناقض للاستبداد
والواقع أن هذا التعديل لم يصنع كبير شيء فإن هناك عيوبا محورية في أصل النظرية تحتاج إلى مناقشة ومراجعة وإن حصل ذلك فإن نظرتنا للتاريخ ستتغير وترتيبنا للأولويات سيتغير وقراءتنا للأحداث كذلك
فالمقدمة الأولى :
في إمكانية وجود فردوس أرضي يتمثل بتمكين تام أو رخاء وفقا لما يسمى بالحلم الأمريكي وهذه الفكرة فتحت الباب للافتتان بالنموذج الغربي بصورة خيالية حتى أن البعض مهووس بالحديث عن مناقب الغرب إلى درجة الكذب كما يفعل الشيعي مع إمامه المعصوم !
الناظر في واقع الدنيا أنها دار اختبار وحتى التمكين كان يسميه السلف فتنة السراء لأن المرء يبتلى أيشكر أم يبطر
وواقع الدنيا أن الناس متفاوتون وكل له عبوديته الغني له عبوديته والفقير له عبوديته والرجل له عبوديته والمرأة لها عبوديته والجنة التامة في الآخرة
{ لكيلا تأسوا على فاتكم ولا تفرحوا بِمَا آتاكم }
والشر والخير متعاقبان فتنة والسعادة لا تحصر بالأسباب المادية أو الظروف المحيطة
بل السعادة متعلقة بإيمان الفرد وصلته بالله عز وجل وطريقة تعاطيه مع النعم والنقم وفقا لهذا المنظور لهذا يتفاوت الناس في ذلك كما بين السماء والأرض
ولهذا عرف السلف الحياة الطيبة بالقناعة وليس معنى هذا عدم السعي في تحصيل الخير ولكن السعادة ألا تربط حياتك بعرض زائل بل تستمتع به شاكرا إذا حضر وتصبر وتتسلى بالله إذا غاب
هذا فيما يخص المقدمة الأولى وبابها نقدها يطول والمراد التقريب والاختصار
المقدمة الثانية
هي المقدمة الأكثر اشتهارها وانتشارا بين الناس شرقا وغربا
وحقا العامل السلطوي مؤثر ولكنه ليس المؤثر الوحيد والتام بل هو نفسه يتأثر بثقافة عصر عامة خصوصا في زمن العولمة وعصر القطب الواحد
( يعني قوة عظمى واحدة مسيطرة عسكريا )
ثم العامل السلطوي يؤثر في التعليم والإعلام ولكن مهما بلغ من السطوة لا يمكنه أن يكون مصدر العلم والإعلام الوحيد وهذا مشاهد لا يخفى على أحد
ثم هناك العامل الثقافي المجتمع وهو مجموع العقائد والعادات والتقاليد الموروثة
=
=
ثم هناك العامل الفردي وهو طريقة كل فرد في التعاطي مع الأمور السابقة وهذا ما يحاسبه الله عليه { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } لهذا لم يجعل العذر لمن عاش بين قوم كافرين أن يكفر إذا كان سمع بالإيمان
ولهذا تجد الناس يختلفون تحت نظام الحكم الواحد مما يدل على أن السلطة ليست علة تامة
وهؤلاء الأمويون ما استطاعوا أن يقضوا على التشيع
بل وصول أي فريق للسلطة قد يكون يعني استنزاف الفرص فكثير من المذاهب كان هلاكها في وصولها للسلطة وظهورها وتلبسها بظلم الولاة كما حصل مع القرامطة ونظرائهم وقد يحصل العكس
والاعتقاد بحتمية تأثير العامل السلطوي أو كونه الأقوى أدى إلى احتقار كثير من المعروف الطيب المؤثر
وإلى سلبية عند كثير من الناس مع كونهم قادرين على التغيير ولو بقدر يسير
ولكن هذا اليسير قد يكون بداية تأثير كبير وقد يكون هذا اليسير أجره عند الله كبير
ولكن مع الاسف هذه معاني غائبة
وأما المقدمة الثالثة
فقد تقدم أن كثيرين غيروها ولكن لا زالوا يعيشون في ظلها الطوباوي الخيالي فيعتقدون أن نظام الحكم الفلاني أو الإمام العادل الفلاني أن المهدي سيحيل الدنيا جنة دون أي مجهود منه أو بمجهود داخل مشروع جمعي دون تعب على تزكية نفسه مع سيطرة وهم الكمال
فإما أن أكون كاملا أو أنا لا شيء !
وهذا فتح بابا عظيما للعقد النفسية وكثرة الاضطرابات في الناس
وأكثر ما يضيق صدري في هذه النظرية التي أعتبرها سطحية أنه كما أن الإمامية أبغضوا كثيرا من صالحي السلف بسبب هذه النظرية السطحية
فوضعوا أمام السلف نموذجا خياليا لا يكون فلا هُم اقتدوا بشيء موجود بل تمنوا مستحيلا مفقودا ولا هُم أنصفوا الموجود
عامة من تأثر ببعض أركان هذه النظرية حصل له هذا فلا هُم اتبعوا الوحي وعلموا أن الغُنم بالغرم فكثير منهم أنكر ثوابت أو سخر أو شغب على مصلحين واحتقر جهودهم أو نافرهم وشوههم ثم هو بعد ذلك ما حقق شيئا مما يتخيل لأنه مستحيل ببساطة !
وليت الأمر يقف هنا فإن الانتكاسات المرة لأصحاب هذه الأحلام وتحولهم إلى خطاب متماهي مع الثقافة الغالبة أو أهواء المجتمع أو السلطة الظالمة هو أثر عكسي متكرر بسبب الصدمة التي تحصل عند الاستيقاظ من هذا الحلم الذي كان قد حرم المرء ابتداء من النظر المتجرد للوحي والآثار والتراث ككل...