=
=
وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/ ٢١٨): "فهذه الحكاية إن صحت فهى من جنس أخبار الكهان بشىء من المغيبات، وقد أخبر ابن صياد النبي صلى الله عليه و سلم بما خبأ له في ضميره، فقال له أنت من إخوان الكهان. وعلم تقدمة المعرفة لا تختص بما ذكره المنجمون بل له عدة أسباب يصيب ويخطئ ويصدق الحكم معها ويكذب، منها الكهانة ومنها المنامات ومنها الفأل والزجر ومنها السانح والبارح ومنها الكف ومنها ضرب الحصى ومنها الخط في الأرض ومنها الكشوف المستندة إلى الرياضة ومنها الفراسة ومنها الجزاية ومنها علم الحروف وخواصها إلى غير ذلك من الأمور التى ينال يها جزء يسير من علم الكهان، وهذا نظير الأسباب التى يستدل بها الطبيب والفلاح والطبائعى على أمور غيبية بما تقتضيه تلك الأدلة، مثال الطبيب إذا رأى الجرح مستديرا حكم بأنه عسر البرء وإذا رآه مستطيلا حكم بأنه أسرع برءا، وكذلك علامات البحارين وغيرها، ومن تأمل ما ذكره بقراط في علائم الموت رأى العجائب، وهى علامات صحيحة مجربة، وكذلك ما علم به الربان في أمور تحدث في البحر والريح بعلامات تدل على ذلك من طلوع كوكب أو غروبه أو علامات أخرى فيقول يقطع مطر أو يحدث ريح كذا وكذا أو يضطرب البحر في مكان كذا ووقت كذا فيقع ما يحكم به، وكذلك الفلاح يرى علامات فيقول هذه الشجرة يصيبها كذا وتيبس في وقت كذا وهذه الشجرة لا تحمل العام وهذه تحمل وهذا النبات يصيبه كذا وكذا لما يرى من علامات يختص هو بمعرفتها، بل هذا أمر لا يختص بالإنسان، بل كثير من الحيوان يعرف أوقات المطر والصحو والبرد وغيره كما ذكره الناس في كتب الحيوان والفرس الرديء الخلق إذا رأى اللجام من بعيد نفر وجزع وعضَّ من يريد أن يلجمه علمًا منه بما يكون بعد اللجام، وهذه النملة إذا خزنت الحب في بيوتها كسرته بنصفين علما منها بأنه ينبت إذا كان صحيحا وأنه إذا انكسر لا ينبت، فإذا خَزَّنت الكفرة كسرتها بأربعة أرباع علمًا منها بأنها تنبت إذا كُسرت بنصفين، وهذا السنور يدفن أذاه ويغطيه بالتراب علمًا منه بأن الفأر تهرب من رائحته فيفوته الصيد، ويشمه أولًا فإن وجد رائحته شديدة غطاه بحيث يوارى الرائحة والجرم وإلا اكتفى بأيسر التغطية، وهذا الأسد إذا مشى في لين سحب ذنبه على آثار رجليه ليفطيها علمًا منه بأن المار يرى مواطئ رجليه ويديه، وإذا ألف السنور المنزل منع غيره من السنانير الدخولَ إلى ذلك المنزل وحاربهم أشد محاربة وهم من جنسه علمًا منه بأن أربابه ربما استحسنوه وقدموه عليه أو شاركوا بينهما في المطعم، وإن أخذ شيئا مما يجزيه أصحاب المنزل عنه هرب علمًا بما يكون إليه منهم من الضرب فإذا ضربوه تملقهم أشد التملق وتمسح بهم ولطع أقدامهم علما منه بما يحصله له الملق من العفو والإحسان، وهذا في الحيوان البهيم أكثر من أن نذكره، فله من تقدمة المعرفة ما يليق به، وللخيل والحمام من ذلك عجائب، وكذلك الثعلب وغيره، فعُلِم أن هذا أمر عام للإنسان والحيوان أعطى من تقدمة المعرفة بحسبه، وأسباب هذه التقدمة تختلف، والأمم الذين لم يتقيدوا بالشرائع لهم اعتبار عظيم بهذا، وكذلك من قل التفاته واعتناؤه بما جاءت به الرسل فإنه يشتد التفاته ويكثر نظره واعتناؤه بذلك، وأما أتباع الرسل فقد أغناهم الله بما جاءت به الرسل من العلوم النافعة والأعمال الصالحة عن هذا كله، فلا يعتنون به ولا يجعلونه من مطالبهم المهمة لأن ما يطلبونه أعلى وأجل من هذا، ومع هذا فلهم منه أوفر نصيب بحسب متابعتهم الرسل من الفراسة الصادقة والمنامات الصالحة الصحيحة والكشوفات المطابقة وغيرها، وهِمَمُهم لا تقف عند شىء من ذلك بل هى طامحة نحو كشف ما جاء به الرسل من الهدى ودين الحق في كل مسألة، وهذا أعظم الكشوف وأجله وأنفعه في الدارين، مع كشف عيوب النفس وآفات الأعمال، وأما الكشف الجزئي عما أكل فلان وعما أحدثه في داره وعما يجرى له في غده ونحو ذلك فهذا مما لا يعبأ به من علت همته ولا يلتفت إليه ولا يعده شيئا على أنه مشترك بين المؤمن والكافر، فلعباد الأصنام والمجوس والصابئة والفلاسفة والنصارى من ذلك شىء كثير وذلك لا ينفعهم عند الله ولا يخلصهم من عذابه".
وهذا كلام نفيس غايةً في تحرير المسألة.
وهذه الأمور مذكورة حتى عن غير ابن تيمية.
قال الماوردي في الحاوي: "كنت ذات يوم، وأنا جالس بجامع البصرة، ورجل يتكلم فجمعني وأصحابي حضوره، فلما سمعت كلامه، قلت له ولدت بأذربيجان، ونشأت بالكوفة قال: نعم. فعجب مني من حضر. والقيافة، والفراسة، غريزة في الطباع يعان فيها المجبول عليها، ويعجز فيها المصروف عنها، وبالله التوفيق".
وأيضًا هذا مذكور عن عمر بن الخطاب والشافعي في أخبار.
ولا يوجد أحد ينكر أصل كرامات الأولياء أو معجزات الأنبياء، وإنما الإشكال في جعل كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء سببًا لعبادتهم أو إدخال الفجار في الأولياء واختراع الكرامات لهم، فلا داعي لخلط الأوراق.
لطيفة في ترجيح تفسير الصلاة من الله بالذكر في الملأ الأعلى..
مشهور عند طلبة العلم أن هناك خلافًا في تفسير صلاة الله على عباده فمنهم من قال إنها الرحمة، ومنهم من قال إنها الذكر في الملأ الأعلى.
ولا يظهر لي وجود خلاف قوي بين القولين، فالذكر في الملأ الأعلى من مقتضياته الرحمة، غير أنني بدا لي ما قد يرجِّح القول بأنها الذكر في الملأ الأعلى:
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا. وسبِّحوه بكرةً وأصيلًا. هو الذي يُصلِّي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيمًا} [الأحزاب]
في الآيات الحث على ذكر الله -عز وجل- وتسبيحه، ثم ذكر صلاة الله على عباده، وقد فهم جماعة من السلف أن صلاة الله وملائكته على عباده هو ثواب ذكر الله عز وجل.
وهذا الذي يدل عليه الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم".
فإذا جمعنا من دلالة الآية (أن من يذكر الله يصلي عليه الله).
ودلالة الحديث: (أن من يذكر الله يذكره الله في ملأ خير منه) يجتمع عندنا أن الصلاة معناها الذكر في الملأ الأعلى، وذلك لا يُنافي معنى الرحمة بل الأمر رحمة وزيادة.
واعلم -رحمك الله- أن هذين بابين يملآن القلب رغبة:
أولهما: أن كل عمل صالح تعمله يجازيك الله عشرة أضعافه في أقل ثواب، وأن الأصل في ثواب الله أنه أضعاف ما تستحق.
والثاني: أن ملائكة الله عز وجل يتقربون له سبحانه بالاستغفار لأهل الإيمان، ولولا علمهم بمحبته سبحانه لهذا ما داوموا عليه.