كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

كيف سيواسي البخاري تلميذه لو أدرك زماننا؟!

المصدر
كيف سيواسي البخاري تلميذه لو أدرك زماننا؟! جاء في «سير أعلام النبلاء» للذهبي [12/445]: "قال: وحدثني محمد بن العباس الفربري، قال: كنت جالسا مع أبي عبد الله البخاري بفربر في المسجد، فدفعت من لحيته قذاة مثل الذرة أذكرها، فأردت أن ألقيها في المسجد، فقال: ألقها خارجا من المسجد. قال: وأملى يوما علي حديثا كثيرا، فخاف ملالي، فقال: طب نفسا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي ﷺ وأصحابه. فقلت: ليس شيء من هذا، يرحمك الله إلا وأنا أرى الحظ لنفسي فيه". أقول: البخاري يواسي تلميذه لمَّا خشي ملالته بأنه مع حديث رسول الله ﷺ وأصحابه، بينما الناس في أشغالهم المختلفة. في زمن البخاري ما كان أحد من أهل الملاهي؛ والصناعات؛ والتجارات يجرؤ على احتقار العمل للآخرة بطلب العلم وسماع الحديث. وأما في زماننا فتجد الرجل منهم يتحدث عن الناس الذين وصلوا للقمر ويهزأ بعلماء الشريعة وبسماع حديث رسول الله ﷺ. ثم تجده يقضي وقتاً طويلاً من عمره في تحليل كرة القدم والجدل في نزاهة الحَكَم الفلاني وإتقان المدرب وما كان ينبغي أن يُفعل، (يتحدث عن مباراة انتهت) ومع ذلك يُشغل زمانه بالأمر. وبإثبات أن الفوز الفلاني لم يكن مستحَقاً وإنما سببه ظلم الحَكَم أو سوء التخطيط، وربما ذرف دموعاً على هزيمة منتخبه. وربما جادل وقدم البينات وحلف الأيمان المغلظة أن هذا ظلم وبيَّن الأدلة. حتى إذا جاء خلاف في مسألة شرعية قال: "والله احترنا ولا نعرف الحق أين"، وربما تراه قائلاً بتكافؤ الأدلة (أي الكل مصيب ومعه دليله) هذا فقط إن تعلق الأمر بالدين. وكثير ممن هذا سلوكه إذا رأى حواراً أو بحثاً في مسألة شرعية عقدية كانت أو عملية يسأل: "ما الفائدة من هذا؟"، ولا تدري ما الذي يقصده بقوله (الفائدة) فربما يريد فائدةً اقتصادية؛ أو سياسية؛ أو اجتماعية عاجلة. وترى مجالسهم ملأى بالحوارات السياسية؛ والاقتصادية؛ والرياضية من غير متخصصين وبغير نفع يعود عليهم في دنياهم أو آخرتهم. فإذا جاء الحديث عن المسائل الشرعية رأيتَ أحدهم ضنيناً بوقته الذي لا يتسع لهذه الأمور. ترى بعضهم يقرأ، ولكن إن قرأ يقرأ للتسلية؛ أو للتشويق؛ أو لإشباع الفضول فإذا رأى شخصاً يقرأ لينتفع بما قرأ في آخرته= قال له: "الناس وصلوا للقمر وأنتم لا زلتم في هذا؟". وبعضهم إذا رأى شيخاً يتكلم في مسألة شرعية يقول له: "وماذا عن غزة يا شيخ؟ وماذا عن الظلمة يا شيخ؟"، ولو كان الشيخ قد تكلم في هذا حقاً؛ ولكن صاحبنا كسول، بمجرد ما رآه يتحدث بأمر شرعي يحتاجه الناس يقول له هذا. وهذا الشخص نفسه يرى أناساً يتجادلون في نزاهة حكَّام كرة القدم ومهارة اللاعبين والمدربين ويسب بعضهم بعضاً، ويقضون في ذلك الساعات ويجهدون أذهانهم، غير من يُسمَّون بـ"المحللين الرياضيين" الذين هذه مهنتهم، فترى صاحبنا لا يتذكر هنا قضايا المسلمين التي يتذكرها إذا سمع شخصاً يتكلم في العقيدة. أصحاب الملاهي في زمن البخاري قوم يبحثون عن الترويح ولو بمحرم؛ ولكنهم لا يُدخلون الحزن على قلوبهم لأجل خسارة غيرهم. وأما أصحاب التجارات والصناعات فقوم ينفعون وينتفعون، وحالهم حسن غير أن حال أهل العلم أحسن. وأما حال الباحثين عن الأمجاد الوهمية والمعرفة الوهمية في زماننا فهؤلاء عزاء من اشتغل بخير إذا رآهم أعظم وأعظم، وحمد الله على أنه لم يكن واحداً منهم.