كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

المستشارة ميركل ومنهجية التفكير السليم...

المصدر
المستشارة ميركل ومنهجية التفكير السليم... أظن أنه لا يوجد إنسان مشتغل بالعلم لم تأتِهِ تلك الشبهة المتكررة على حديث "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" فيُقال لك كيف هذا والمستشارة ميركل في ألمانيا وألمانيا بلد ناجح! تعددت أجوبة الناس على هذه الشبهة، فمِن قائل أن الفلاح الذي في الحديث يعني استقامة الناس في دينهم وأخلاقهم بالجملة، وهذا غير متوفر في ألمانيا التي تعتبر ماخور أوروبا في الدعارة. ومِن قائل أنها ليست ولاية حقيقية وإنما هي تُمثِّل حزبًا يحكم من خلالها، ووجودها استراتيجي لكي يعظم كل نجاح لهم لأنه نجاح امرأة بخلاف لو جعلوا واجهتهم رجلًا. وهناك أجوبة كثيرة على هذا الأمر، وفي تقديري أن هذه الشبهة سبب تولُّدِها هو التفسير المنحرف للإسلام. فبعدما كانت معرفة الله بأسمائه وصفاته والعبودية له كما ينبغي هي الغاية العليا وما سواها وسيلة والوسائل أيضًا يدخلها التعبد، صار الإسلام كله وسيلة لتحقيق نموذج أوروبي (الإسلام بلا مسلمين)، هذا النموذج الأوروبي معاييره ذاتية، أي أنه لا يعتمد على وحي أو فطرة أو فلسفة مدللة في إثبات أن هذا صواب أو خطأ، فمثلًا هم يعتبرون النجاح الصناعي هو الأساس فحسب، ولا يقيمون أي اعتبار للأعراض ولا للتدين الجماعي. معلوم أن عامة نماذج الحكم الموجودة والتي يؤمن بها بعض الناس فيها غنم وغرم، بمعنى أنك تضحي ببعض الأشياء لأجل أشياء أخرى، وتحديد أن هذا الشيء الذي ضحَّينا به أسوأ من الشيء الذي حافظنا عليه إنما يعود لعقيدة الإنسان ورؤيته للغاية التي من أجلها وُجِد، وهذا ما لا يفهمه عامة العالمانيين والمنتسبين للإسلام من المنبهرين بالنموذج الغربي. ويظن كثيرون أن الحديث عن إشكاليات نموذج غربي يعني تزكية الواقع العربي تمامًا والحديث عن نزاهته أو كونه أفضل الموجود! وهذا تلازم إنما يأتي من ضيق عطن، فالمرء ما عاش يسعى للأحسن ولكن وفق أي منظومة؟ وبدون اعتقاد احتمال وجود فردوس أرضي. بل كثير منهم عنده تصور مبالغ به عن المثالية في الغرب، ولمَّا كان نموذج أنجيلا ميركل نموذجًا محوريًّا في عقولهم لكونه يضاد العقلية الشرقية أو الإسلامية فيما يزعمون صاروا ينسجون حوله المبالغات ويتكلمون عنه بما لا يطابق واقعه تمامًا، نعم ألمانيا بلد أوروبي مُنتِج بالنسبة للنموذج الرأسمالي ولكن الصورة ليست وردية تمامًا. وسأعطيك عدة أمثلة: المثال الأول: حالات كورونا تحت السيطرة في ألمانيا؟ (الفَضل لميركل)، الحالات تزيد؟ (إهمال الناس). بعد فرض ٥ أسابيع من الإغلاق على الناس واعتقال متظاهرين وأطباء من منازلهم بعد اقتحامها بسبب إعلانهم رفضهم للإجراءات، مع إقرار قانون جديد للعدوى اعتبره معارضون وسيلة للتحكم في حياة الناس.. فَشلت الحكومة الألمانية في خفض أعداد الإصابات بكورونا، بل زادت، والآن يموت شخص كل ٤ دقائق في البلاد، وقفزت الإصابات بصورة صاروخية! وبدلًا من أن يشير الإعلام لذلك كما يفعل في العديد من الدول الأخرى، أخذ بازدواجية معايير اعتدنا عليها يحتفي بخطاب ميركل أمس، حيث استخدمت لهجة عاطفية لحثِّ الناس على تجنب الاختلاط الاجتماعي، ودَعَت "ماما ميركل" لتناول كعكة الـ Muffin في البيت، حيث تستعد البلاد لفرض إغلاق عام أكثر صرامة! كما اعتبَر الإعلام ألمانيا نموذجًا لمواجهة كورونا في البداية، كان يجب أن يعرض فشلها في القفزة التي حدثت والتي لا تستطيع الحكومة السيطرة عليها، ولكنه بدلًا من ذلك يلقي اللوم على الناس لعدم التزامهم. النجاح هو نجاح ميركل، والفشل هو بسبب إهمال الناس! عارضت ميركل أمس الانتقادات بشأن تعامل حكومتها مع جائحة كورونا، قائلة إن البلاد تمر "بوضع استثنائي". وقالت ميركل أمام البرلمان: "أهم مفتاح بالنسبة لنا في محاربة الفيروس بنجاح هو السلوك المسؤول لكل فرد والاستعداد للتعاون". (هذه ترجمة موقع إخباري أوروبي مع بعض الإضافات، وأما القنوات المؤدلجة عندنا فهي أكثر ازداوجية). المثال الثاني: صرَّحت ميركل أيضًا قبل عدة سنوات أنهم فشلوا في صنع مجتمع متعدد الثقافات في ألمانيا، لذا هم حريصون على الاندماج. اكتب في محرك البحث: Merkel says German multicultural society has failed وهذا نحو كلام ماكرون الذي برَّر به إجراءاته السيئة تجاه المسلمين في فرنسا، باختصار نحن لسنا مجتمعًا متعدد الثقافات لذا سنُجبِر البقية على ثقافتنا. ولاحظ أنها تعترف بالفشل في هذا المطلب الذي يراه الكثير من الليبراليين غاية الغايات ثم يوردونها على حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"! المثال الثالث: ميركل وحزبها كانوا مؤيدين للغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣. ومن حسن التوفيق أنها وحزبها لم يكونوا الحزب الحاكم أيام الحرب على العراق. إذ كان حزبها عام ٢٠٠٢ من الأحزاب المؤيدة لحرب العراق، بينما كان الحزب الحاكم الرافض للحرب هو اليسار الديمقراطي. إلى درجة أنها ذهبت للولايات المتحدة لتُقدِّم اعتذارها عن قرار شرودر الرافض للحرب! هذا الحزب الذي تترأسه ميركل. = = كما أن الحكومة الألمانية موقِّعة على اتفاقية أمنية مع الحكومة المصرية، وكثير ممن يتغنون بعدل ميركل يعتبرون الحكومة المصرية نموذجًا صارخًا على انتهاك حقوق الإنسان. كما أنها تدعم البي كي كي وهي مصنفة على أنها منظمة إرهابية. وأيضًا المستشارة ميركل إبان الحرب على غزة عام ٢٠١١، هذه الحرب التي خلَّفَت الآلاف من الجرحى، خرجت بتصريح مخزٍ أن "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها". وأظن ميركل لو رُشِّحت لجائزة نوبل للسلام سنجد الكثيرين من العرب الذين تُخدِّرهم وسائل الإعلام المؤدلجة عندنا يفرحون لذلك. وأضف إلى ذلك هذا الخبر: دراسة: سوق العمل الألمانية في حاجة لـ ٢٦٠ ألف مهاجر سنويًّا. وهؤلاء المهاجرون كثير منهم من المناطق التي تدعم ألمانيا فيها الحروب أو تبيع السلاح على سلطات مستبدة. المثال الرابع: خذ هذا الخبر من موقع ألماني نطاق بالعربية: منظمة: تزايد معدل الفساد في ألمانيا عام ٢٠١٨: أظهر استطلاع حديث أن حالات الفساد والرشوة داخل المؤسسات الاقتصادية والعامة في ألمانيا تزايدت العام الماضي مقارنة بالعام ٢٠١٧. وفضائح الفساد للشركات الكبرى تؤثر سلبًا على إيمان المواطنين بدولة القانون. وصرَّحت رئيسة المؤسسة بألمانيا إيدا مولر اليوم الثلاثاء (٢٩ كانون الثاني/يناير ٢٠١٩) بالعاصمة برلين: "فيما يبدو أن هناك انطباعًا موجودًا هنا أنه يمكن استخدام أساليب غير عادلة لتعزيز صفقات بألمانيا". وأشارت إلى أن فضائح كبرى الشركات الألمانية جعلت إيمان الأشخاص في دولة القانون يتحطم، حسب تعبيرها. يشار إلى أن ذلك المؤشر الذي يُنشَر سنويًّا يقيس حالة الفساد التي يتم إدراكها في أوساط اقتصادية وسياسية وإدارية داخل القطاع العام بألمانيا، وفي ١٧٩ دولة أخرى. أقول: علمًا أن الدعارة والرشاوى الجنسية والضرائب والربا وغيرها مما نظنه فسادًا وفقًا لإيماننا بالشريعة لا يُعدُّ عندهم كذلك. الدعوة للتصالح مع الفواحش باسم إسقاط ولاية النكاح... أرسل إليَّ أحد الأخوة كتابة لبعضهم في إسقاط ولاية النكاح، فقلت له: هؤلاء تقريبًا لا يريدون إسقاط ولاية النكاح بالمعنى الموجود في مذهب الحنفية، وإنما يريدون شيئًا أقرب للمتعة التي عند الشيعة. وقبل حكاية التفصيل والرد على ما قاله من تلبيس، أودُّ التنبيه على أن داعي البحث عندهم هو محاولة استنساخ الأحوال الغربية والتي يتصالح فيها الناس مع الزنا. وقد قلت قبل لنسوية متوسطة: طرحكم هذا إنما يستفيد منه الزناة من الرجال. فقد كان الرجل لكي ينال امرأةً لا بد أن يكدح زمنًا في جمع المهر أو يكون والده فعل ذلك، ثم يرتبط بالمرأة ويكون حريصًا على الإنجاب منها، ويصير يشاهد محاسنها بإكبار لأن نفسه تميل لذلك لكي لا يشعر بالغبن بسهولة، كما يدمح المساوئ ما لم يَعظُم أمرها جدًّا. ومع نمو الطرح الاستحقاقي الذي لا يُقدَّر فيه هذا الكدح والتعب ولا يُقدَّر فيه إنفاق الرجل ويُمَنُّ عليه حتى بأخصِّ حقوقه؛ يصير الطلاق دارجًا، بل تصير تجربة الزواج مخيفة (ولا أقول إن كل طلاق سببه هذا، ولكن كثيرًا منه كذلك). ومع الدعوة لخروج المرأة واختلاطها والدعوة لتبرجها أو التهوين منه بحجة عدم تبرير التحرش؛ يكون هناك فئة مستفيدة بقوة من كل هذا وهو ذلك الزاني الذي يرغب بأن يحصل على ما يناله الأزواج بأبخس الأثمان، ولن يضطر للتحرش في كثير من الأحيان لأنه سيجد الكثير من الخيارات مع الأسف. وحتى لو حصل الحمل فهناك تشريع الإجهاض، ونفقات الإجهاض تتحملها النساء لأن الحمل في أجسادهن. وتجد المرء منهم يرتعد عند الحديث عن زواج الفتاة قبل سن الثامنة عشر، ولا يدري أن مئات آلاف الفتيات عشن تجربة الإجهاض قبل هذا السن. ولهذا فالأمر ليس "حقوق المرأة"، بل هو التسهيل للزناة والانتصار لفَجَرَة الرجال على نبلائهم، وبعد هذا كله لن يستفيد من هذا التحرير المزعوم سوى عيادات الإجهاض والأطباء النفسانيين (الذين ستكتظُّ عياداتهم بالمحطَّمات نفسيًّا على إثر التجارب العاطفية العابرة التي كسرت قلوبهن) ومطربي الأغاني الحزينة. وبعد نقول: أنصار هذه الأمور يرغبون بأقرب صورة للحالة الغربية البهيمية، ويتدرجون معك، فيبدأون بالحديث عن مذهب الحنفية بأنه يجوز النكاح بغير ولي، وهم يستخدمون هذا المذهب على أنه قنطرة فحسب، وإلا فهذا المذهب يشترط مهرًا معينًا لا ينزل عنه ويشترط الشهود العدول والكفاءة في الدين والنسب، وهذه الشروط عامة النساء اللواتي يريدون أن يبيحوا لهن هذا لا يراعينها نهائيًّا. قال ابن الهمام الحنفي في فتح القدير (٣/٢٥٦): "وعلى المختار للفتوى لو زَوَّجت المطلقة ثلاثًا نفسها بغير كفء ودخل بها لا تحل للأول، قالوا: ينبغي أن تحفظ هذه المسألة فإن المحلل في الغالب يكون غير كفء". ولهذا اختار هو وغيره من الأحناف أن يفتوا الناس بأنه لا نكاح إلا بولي على مذهب أبي يوسف والشيباني خلافًا لأبي حنيفة، لأن الغالب في النساء أنهن لا يراعين الكفاءة بتفاصيلها التي يعرفها الرجال. ثم بعد ذلك يأتونك بتهوين مذهب الشيعة الإمامية في الأمر حتى ينتهوا من القيود التي وضعها الحنفية ويقولوا بالمتعة، ويقولون لا يجوز لك أن تقول عنها زنا! وقد رأيت مَن تشيَّع ولا يعرف من التشيع إلا المتعة، وهذا تشيع الفروج يشبه تمذهب الرخص عندنا، إذ تجد المرء يدخل مذهبية المعتمد فقط من أجل بعض الرخص ولا يعرف من معتمد المذهب سواها، فيقول أنا على المذهب الفلاني لكي لا يُنكَر عليه! والمتعة التي عند الشيعة هي أخت الزنا إذ لا فرق ظاهر، بل العجيب أنهم يروُون في كتبهم: "لعن الله كل مطلاق ذواق" والمتعة أبلغ من هذا الذي يتكلمون عنه، فالرجل قد يتمتع بمئات النساء ولا شيء عليه فهو أسوأ من المطلاق الذواق أو مثله. = = جاء في كتاب دعائم الإسلام لأبي حنيفة المغربي من علماء الإمامية (٢/٢٢٩): "وعن رسول الله أنه نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها إن الله رازقها. (٨٥٧) وعن جعفر بن محمد أنه قال: ولا يتزوج الرجل المرأة على طلاق أخرى. (٨٥٨) وعن رسول الله أنه حرم نكاح المتعة، وعن علي أنه قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين وليس بالدرهم والدرهمين، واليوم واليومين، ذلك السفاح ولا شرط في النكاح. (٨٥٩) وعن جعفر بن محمد أن رجلا سأله عن نكاح المتعة، قال: صفه لي، قال: يلقى الرجل المرأة، فيقول: أتزوجك بهذا الدرهم والدرهمين، وقعة أو يوما أو يومين. قال: هذا زنا، وما يفعل هذا إلا فاجر، وإبطال نكاح المتعة موجود في كتاب الله تعالى لأنه يقول سبحانه: {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، فلم يطلق النكاح إلا على زوجة أو ملك يمين. وذكر الطلاق الذي يجب به الفرقة بين الزوجين، وورث الزوجين بعضهما من بعض، وأوجب العدة على المطلقات، ونكاح المتعة على خلاف هذا، إنما هو عند من أباحه أن يتفق الرجل والمرأة على مدة معلومة، فإذا انقضت المدة بانت منه بلا طلاق، ولم تكن عليها عدة ولم يلحق به ولد إن كان منها، ولم يجب لها عليه نفقة، ولم يتوارثا، وهذا هو الزنا المتعارف الذي لا شك فيه". وهذا اعتراف جيد جدًّا. والآن لنأتِ لاستدلالات المعترض التي قلَّد بها بعض الحنفية. نقل عن ابن رشد قوله: "وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى: {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: ٢٣٤]- فإن المفهوم منه النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن، وليس ها هنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح، فظاهر هذه الآية -والله أعلم- أن لها أن تعقد النكاح، وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف، وهو الظاهر من الشرع، إلا أن هذا لم يقل به أحد، وأن يحتج ببعض ظاهر الآية على رأيهم، ولا يحتج ببعضها- فيه ضعف". فأنت ترى أن ابن رشد يقول أن الفهم الذي فهمه الحنفية من الآية يخالف إجماع المفسرين. وحقيقةً ظاهر الآية يدل على اشتراط الولي، فالله يقول للأولياء: "فلا جناح عليكم" ولو لم يكن لهم مدخل ما نفى عنهم الجناح، وقوله: "بالمعروف" المقصود من المعروف الولاية والشاهد، ونفي الجناح عنهم لأنه كان محرَّمًا عليهم تزويجهن في العدة فنفى الجناح بعد العدة، وغاية ما في الآية أن رضاهن معتبر، وهذا لا ينازع فيه أحد في الثيب فرضاها شرط من الشروط. وقال الروياني الشافعي في بحر المذهب: "فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فمن وجهين: أحدهما: أن المراد برفع الجناح عنهن أن لا يُمنعن من النكاح إذا أردنه، فلا يدل على تفردهن بغير ولي كما لم يدل على تفردهن بغير شهود. والثاني: أن قوله: {فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} يقتضي فعله على ما جرى به العرف من المعروف الحسن، وليس من المعروف الحسن أن تنكح نفسها بغير ولي". والعجيب أنه يستدل بآية {فلا تعضلوهن أن ينكحن} وهذه الآية دالة على الولاية أصلًا في قول عامة العلماء. قال ابن رشد الذي نقل عنه المعترض في بداية المجتهد: "فمن أظهر ما يَحتج به من الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى: {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: ٢٣٢] قالوا: وهذا خطاب للأولياء، ولو لم يكن لهم حق في الولاية لما نُهوا عن العضل، وقوله تعالى: {ولا تُنكِحُوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: ٢٢١] قالوا: وهذا خطاب للأولياء أيضا". والاستدلال بآية {وامرأةً مؤمنةً إن وَهَبَت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يَستَنكِحَها} عجيب جدًّا! فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتأخر ولي عن تزويجه أصلًا، وذلك أن الولي إنما جُعِل لدفع المعرة وتحصيل حقوق الزوجة واختيار الأصلح، والنبي هو أصلح البشر وأحفظهم للحقوق، فلم يُحتَج إلى الاحتياط في أمره. وأما الاستدلال بأخبار الصحابيات اللواتي جئن واشتكين أن آباءهن زوَّجوهن رغمًا عنهن فغاية ما في هذه الأحاديث اشتراط رضا المرأة وهذا لا ينفي اشتراط الولي، فهذا مثل شخص توضأ فغسل يديه ولم يغسل وجهه فقلت له صلاتك باطلة حتى تغسل وجهك مع يديك فجاء أحمق واستدل بكلامك هذا على عدم اشتراط غسل اليدين!! وأما لفظة "انكحي من شئت" فهذه لا تصح وهي رواية مرسلة زائدة على رواية الصحيح فتكون من قبيل الشاذ. = = قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق: "وأمَّا الحديث الثاني: فهو حديث خنساء بنت خِذَامٍ، وأنَّ أباها أنكحها وهي كارهةً، فردَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك. هذا قدر ما أخرج في الصحيح. وأمَّا قوله: "انكحي من شئت" فرواه أبو سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا، والمرسل ليس بحجَّة، ثم لو قلنا إنَّه حجَّةٌ، فالمراد به: تخيَّري الأكفاء". وتأمَّل كيف أنهم يضعِّفون حديث "لا نكاح إلا بولي" ويضعِّفون أخبار تحريم المعازف ثم يحتجُّون بهذه الأخبار الشاذة، وهو إن صح فمعناه (انكحي مَن شئت مِن الأكفاء بشهود وبرضا وليك)، فلا يعقل أن النبي أراد العموم، والعموم يشمل حتى الكافر والفاسق والمنافق ونكاح السر وغيره، وإنما المراد هذا. وأما الآثار عن الصحابة فآثارهم لا تدخل في الحصر في أنه لا نكاح إلا بولي، وما ثبت عن أحد منهم خلاف هذا عامة ما يروى في هذا لا يصح. قال ابن أبي شيبة في المصنف ١٦١٧٠- حدثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي قال: ما كان أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد في النكاح بغير ولي من علي حتى كان يضرب فيه. ومجالد يُحتمل في الآثار الموقوفة، وقد احتج به أحمد في أثر عن الشعبي. والخلاصة: اشتراط الولي هو قول قوي جدًّا بل هو المتعين. وحتى مَن أسقط هذا الاشتراط من الحنفية صار يفتي به في الأزمنة المتأخرة لكونه الضمان للاشتراطات الأخرى التي يذكرونها. ومَن اشترط الولي اشترط رشاده وعدم فسقه، وفي حال الإعضال فإن للمرأة الاستعانة بالقاضي. واشتراط الولي لا يعني الإجبار للثيب. والولي في مجتمعاتنا له كلمة لأنه ينفق عليها ويسكنها بطبيعة الحال، فالحديث عن إسقاط الولي هو في الحقيقة محاولة التفاف لتبرير أمور لا علاقة لها بالنكاح وإنما بالسفاح، وإلا فما هذا الحماس الشديد لإسقاط الولاية ثم لا نجد له نظيرًا في إسقاط غلاء المهور أو تأخير الزواج جدًّا!