( وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا )
( وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا )
( ولكم في القصاص حياة )
بمجموع هاتين الآيتين يظهر لك معنى عجيب في مشروعية عقوبة الردة
الله عز وجل سمى وحيه ( روحا ) يعني كما يتميز الحي عن الميت بدنيّا بالروح فكذلك يتميز الحي عن الميت حقيقة بوعي الوحي
( أومن كان ميتًا فأحييناه )
وحقا المرء دون الوحي لا يعرف قيمة نفسه ولمَ هو هنا وما هو مآله ، وإما يكون عنده أجوبة خاطئة
الشاهد هو ذرة غبار في هذا الكون سرعان ما سيهلك ويكون وكأنه ما وطيء هذه الأرض في يوم من الأيام مهما كانت منجزاته فالكون لا يتوقف عليه وهو شيء صغير فيه
بالوحي فقط يعرف من هو ويعظم شأنه بأنه عبد للإله الذي خلق هذا الكون وأنه صفوة خلقه إن اتقى والفائز بجواره يوم القيامة على أن يؤدي ما أمر به
فلاحظ الفرق بين كائن تائه لا يدري ما هو ولا فرق بينه وبين أي حشرة جاء بلا إرادة منه ويذهب بلا إرادة ( في الغالب )
وبين إنسان علم من هو ومن جاء به إلى هنا وعقل حقيقة أنه مملوك لإله حي قدير عليم سميع بصير لأمر عظيم يسعى له لا أنه جاءت به قوانين عمياء وتلقيه إلى العدم وما فتيء يسير في عدم إذ يجهل الغاية من وجوده
فإن سألت ما علاقة هذا المعنى بعقوبة القصاص وعقوبة الردة ؟
فيقال قوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة )
فيها التنبيه على أن العقوبة الشديدة رادع عن مجرد الفعل وعن الاقتداء به
فإن قيل : أليس العفو أفضل ؟
فيقال : العفو أفضل ولكنك إن قلت أنه واجب فقد ظلمت لأنك أوجبت ترك العدل وإيجاب ترك العدل في كل ظلم ( وهذا ما يفعله الحقوقيون والإنسانيون ) وهذا يكون مآله تكاثر الجريمة لأمن العقوبة وهذا بخلاف العفو مع احتمال القصاص فمجرد الاحتمال هذا فيه من الردع ما فيه
اجمع بين هذا المعنى والمعنى السابق في أن الإيمان حياة
تعلم أن المرتد كمن قتل نفسه إذ أذهب حياته وقيمتها بعد أن نعم بها والعقوبة للردع ولمنع الاقتداء والهوى قد يحمل على جرم كهذا فلا بد من ردع وكذلك الطيش وضعف الرأي
فيكون في عقوبته حياة وتأمل هذا المعنى في قصة أصحاب العجل لما ارتدوا ( إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ )
وذكر اسم الباريء هنا للتنبيه على معنى دقيق ألا وهو أن من يأمركم بقتل أنفسكم هو من منحكم الحياة أصلا فهو يتصرف في ملكه ثم ذكر اسم التواب واسم الرحيم للتنبيه على أن هذه هي كفارتهم
ومن يعترض على هذه العقوبة لو سألته عن عقوبة السارق أو القاتل أو غيرها
فقلت : أليس من الأفضل ألا نعاقبهم نهائيا ونعطيهم فرصة أخرى ؟
سيعترض مباشرة بحقوق الناس وأن ذلك يحدث تسيبا ولكنه لا يعتبر هذا فيما يتعلق بأمر الدين لأنه لا يعتبر الدين صحيحا أو لأنه لا يراه يستحق أن يكون سببا في أذية البشر مع إيمانه به
وكلا الطرفين متناقض فالأول بنى اعتراضه على الدين على أصل مبني على بطلان الدين فصار كمن يقول الدين باطل لأنه باطل
والثاني متناقض لأنه يُؤْمِن بعقوبة أخروية للكافر ويرفض العقوبة الدنيوية مع أنها منضبطة بشهود واستتابة
واليوم يعيش أحدهم في دول الغرب ويخاف من أن يقول رأيه في الشواذ أو بعض مسائل النساء خوفا من السجن وفقط يفترض أنه لو عاش في دولة إسلامية تطبق الشرع وتحرص عليه وتعليمها شرعي وإعلامها شرعي فإنه سيكون شجاعا إلى حد التصريح بالكفر !