=
=
لأجعلنك تعشق معاوية أيضًا يا عدنان.
نهج البلاغة لا يثبته أهل السنة كما أوهم عدنان وحتى الشيعة إثباتهم له من باب القرائن عند محققي الأصوليين أيْ أن بعض الروايات في نهج البلاغة يتسمحون بها لأنها ليس في باب الأحكام أو لها شواهد، وإلا فعهد علي لمالك الأشتر طعن فيه الخوئي في كتابه التنقيح في شرح العروة الوثقى وقال إنه لا يثبت في الأحكام الفقهية مع أنه في نهج البلاغة فمعناه أنه لا يصحح سند الكتاب.
غير أن هذا ليس باب نقدي الآن وإنما باب نقدي أن ما استدل به على عظمة علي رضي الله عنه (وقد كان عظيمًا بحق) ثبت نظيره عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
قال البخاري في صحيحه: "2704 - حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، قال: سمعت الحسن، يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم".
فهنا معاوية يكره الحرب ويقول لعمرو بن العاص إذا تقاتلنا مع الحسن وقتل المسلمون بعضهم بعضا فسيكثر اليتامى والأرامل في المسلمين وفي ذلك ضعف علينا، وفي ذلك شفقة وسداد نظر.
وروى ابن العديم في بغية الطلب من طريق عبد الله بن أحمد في كتاب صفين إلى أبي الصلت سليم الحضرمي أنه قال: "شهدنا صفين، فإنّا لعلى صفوفنا وقد حلنا بين أهل العراق وبين الماء، فأتانا فارس على برذون مقنعا بالحديد فقال: السلام عليكم فقلنا: وعليك. قال: فأين معاوية؟ قلنا هو ذا فأقبل حتى وقف، ثم حسر عن رأسه فاذا هو أشعث بن قيس الكندي، رجل أصلع ليس في رأسه الا شعرات، فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ هبوا انكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري، أم هبوا انا قتلنا أهل الشام فمن للبعوث والذراري الله الله فان الله يقول: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله»، فقال له معاوية: فما الذي تريد؟ قال: أن تخلوا بيننا وبين الماء، فو الله لتخلن بيننا وبين الماء، أو لنضعن أسيافنا على عواتقنا، ثم نمضي حتى نرد الماء أو نموت دونه، فقال معاوية لأبي الاعور عمرو بن سفيان: يا أبا عبد الله خلّ بين اخواننا وبين الماء، فقال أبو الاعور لمعاوية: كلا والله يا أم عبد الله لا نخلي بينهم وبين الماء، فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلا حتى كان الصلح بينهم، ثم انصرف معاوية الى الشام بأهل الشام، وعليّ الى العراق بأهل العراق".
فهنا معاوية يسمي جيش علي (إخواننا) ويطلب من قائد جنده أن يخلي بينهم وبين الماء.
وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، وعفان بن مسلم، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: "دخلت على معاوية بن أبي سفيان حين أصابته قرحته، فقال: هلم يا ابن أخي، تحول فانظر، قال: فتحولت فنظرت فإذا هي قد سبرت -يعني: قرحته-، فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، قال إذ دخل يزيد بن معاوية، فقال له معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخا لي -أو خليلا أو نحو هذا من القول- غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير".
وهذا إسناد صحيح، معاوية يثني على أبي موسى الأشعري ويوصي ولده ببر ولد أبي موسى مع أن أبا موسى كان مع علي وقد نبه معاوية على هذا فقال "غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير" وهذا لفظ رشيق.
وهذه الروايات أصح من رواية في نهج البلاغة، وقد اعتزل معظم الصحابة الفتنة، فمعاوية أولى بالاعتذار من القذافي وإن تكلمت بفضل غيره فتكلم بفضله، وإن وسعك ذكر فضائل حتى الملاحدة فصحابي رسول الله ﷺ أولى، ومع كل هذا نحن نعتقد أن عليًّا خير من معاوية ولا شك، وعلى وزن الرواية التي ذكر عدنان أذكر له أخرى.
قال ابن أبي شيبة في المصنف: "37880 - عمر بن أيوب الموصلي، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، قال: سأل علي عن قتلى، يوم صفين، فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية".
هذه أولى وأصح من رواية نهج البلاغة، وإن كان ذكره لنهج البلاغة قد يستقيم إن أراد إلزام الشيعة ولكنه أوهم الصحة.