كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= فإن قال قائل: كيف أباح بعض الفقهاء بقاء المسلمة تحت الذمي ولو بشروط وظاهر القرآن المنع المطلق؟ فيقال: هناك قاعدة فقهية تقول "الاستدامة أقوى من الابتداء". من أمثلتها أنه لا يجوز أن يُسترقَّ المسلم ابتداءً، ولكن لو استرق النصراني ثم أسلم بقي رقيقًا ومسلمًا، ويبدو أنهم قاسوه على هذا مع كون قولهم مرجوحًا، لذا لا يجوز لمسلمة أن تتزوج غير مسلم ابتداءً باتفاق الناس، ومن استحل ذلك كفر، وإن كانت هذه الفتيا من تلك المجامع تمهيدًا لهذه البلية والله أعلم، شعروا أم لم يشعروا. فإن قيل: أليس بعض الصحابة أسلمت زوجته قبله مثل عكرمة بن أبي جهل؟ فيقال: نعم، وهو أسلم وهي في العدة، أيْ قبل انقضاء عدتها، وقد قال الفقهاء أن له العدة فإن أسلم فيها فهما على نكاحهما. قال الخلال في أحكام أهل الملل: أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا صالح أنه سأل أباه عن نصرانية أسلمت ولها زوج؟ فقال: يراد على الإسلام، فإن أبى فرّق بينهما. وقال: أخبرني الميموني قال: قرأت على أبي عبد الله: المرأة تسلم قبل زوجها، والزوج يسلم قبل امرأته؟ قال: المعنى واحد، إن أسلم أحدهما قبل الآخر فهما على نكاحهما ما لم تنقضِ عدتها. ثم قال لي: مسألة أخبرك، فيها اختلاف من الناس كثير، والموثوقون يختلفون فيها. ويبدو أن أحمد لا يصحح المروي عن الصحابة مما يشعر بمخالفة هذا، وهو إمام متبع في الباب. وحقيقةً هذه ليست بأول مرة لفقهاء (الحداثة)، فالمرء فيهم يشرب قلبه هوًى حداثيًّا متأثرًا بالأهواء الليبرالية ثم تجده يغوص في كتب الفقهاء وينبش عن أشبه شيء بهذه الأهواء ثم يبرزه للخلق مع شيء من البتر وتحميل الكلام ما لا يحتمل. مثال: خلاف الفقهاء في الإنسان الذي تتكرر منه الردة، هل يستتاب في كل مرة أم تكون فرصته الأخيرة في الاستتابة عند المرة الثالثة أو الرابعة مثلًا فإن ارتد بعدها فإنه يُقتل مباشرة دون استتابة؟ قال بعض الفقهاء أنه يستتاب دائمًا ولو ارتد مائة مرة وعاد للإسلام في كل مرة، وعبروا عن ذلك بقولهم: يستتاب أبدًا. ففهم بعض فقهاء الحداثة من كلامه أنه يقول: لا حد على المرتد!! وفرحوا بذلك وأشاعوه في الناس وقدَّموا فهمهم الأعوج لكلمة فَقِيه على الدليل الشرعي! وهم الذين في مناسبات ليست بالقليلة يطعنون في صحاح الأحاديث واتفاق الفقهاء عليها، فحالهم مجرد عبث وتلاعب. ولو صدَقوا في تحررهم الفكري المزعوم لحاكموا قيم الحداثة التي استسلموا لها بالكلية، وبحثوا عن أصولها ورأوا هل تتسق مع براهين الإيمان أم هُم مؤمنون بهذه القيم بشكل عجيب، حتى أن كثيرًا من معارضيهم السياسيين مشكلته مع الحكومات ليست أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، بل لأنهم لا يتقيَّدون بالليبرالية حقًّا، فحقيقة الخلاف بين عالمانية فاشية وليبرالية حالمة، ويظن بعض من لم يبصر الأمور على وجهها أنها معركة بين (الإسلام والكفر)! وإلى الذين يتحدثون عن كون المرأة لا يمكنها أن تترك زوجها.. يقال لهم: افرضوا أن زوجها ملحد أو أن رجلًا أسلم وزوجته ملحدة، هل نجيز لهم البقاء؟ من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، والمرء المسلم ينبغي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وكانت النساء في زمن الصحابة يُسلمن ويهاجرن فيفارقن الأهل والبلدان حبًّا لله ورسوله ويتحملن في سبيل ذلك مخاطر عظيمة، والأمر اليوم أيسر والحمد لله.