في رحاب أقدم رسالة في دلائل النبوة.
في رحاب أقدم رسالة في دلائل النبوة.
رسالة أبى الربيع محمد بن الليث المتوفي في حدود 234 التى كتبها للرشيد إلى قسطنطين ملك الروم وقد ذكرها صاحب اختيار المنظوم والمنثور أحمد بن طيفور المتوفى عام 280 تقريباً
تعتبر هذه الرسالة من أقدم ما وقفنا عليه في موضوع الاستدلال للنبوة على المخالفين بطريقة الكتابة والخطابة فبدأ الكاتب بذكر التوحيد وموضوع الإلهيات شارحاً الأدلة العقلية الموجودة في النصوص على التوحيد
ثم عرج على النبوة وأطال النفس في الاستدلال لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الرسالة تستحق القراءة والدراسة خصوصاً وأن الكاتب بعيد تماماً عن طريقة المتكلمين بل طريقته تعتمد الأدلة العقلية التي في النصوص وفقط مقدمتها فيها ألفاظ تشبه ألفاظ المتكلمين وقد تحمل على معاني صحيحة
وسأذكر نماذج مما في الرسالة ولا يغني ذلك عن الاطلاع عليها كاملة
قال أبو الربيع :" فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله الذى أنزل إليه، يدعوهم إلى توحيد الرب عز وجل، ويحذّرهم عقوبات الشّرك، ويجادلهم بنور البرهان، وآيات القرآن، وعلامات الإسلام، صابرا على الأذى، محتملا للمكروه، قد ألهمه الله عز وجل أنه مظهر دينه، ومعزّ تمكينه، وعاصمه ومستخلفه فى الأرض، فليس يثنيه ريب، ولا يلويه هيب، ولا يعنّيه أذى، حتى إذا قهرت البينات ألبابهم، وبهرت الآيات أبصارهم، وخصم نور الحق حجتهم، فلم تمتنع القلوب من المعرفة بدون صدقه، ولم تجد العقول سبيلا إلى دفع حقه، وهم على ذلك مكذّبون بأفواههم، وجاحدون بأقوالهم، كما قال الله عز وجل العليم بما يسرّون، الخابر بما يعلنون: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» بغيا وعداوة، وحسدا ولجاجة، افترض الله عليه قتالهم، وأمره أن يجرّد السيف لهم، وهم فى عصابة يسيرة، وعدّة قليلة، مستضعفين مستذلّين، يخافون أن يتخطّفهم العرب، وتداعى عليهم الأمم، وتستحملهم الحروب، فآواهم فى كنفه، وأيّدهم بنصره، وأنذرهم بمقدمة من
الرعب، ومشغلة من الحق، وجنود من الملائكة، حتى هزم كثيرا من المشركين بقلّتهم، وغلب قوة الجنود بضعفهم، إبحازا لوعده، وتصديقا لقوله: «وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» فأحسن النظر وقلّب الفكر فى حالات النبى صلى الله عليه وسلم من الوحى قائما لله، لتجد لمذاهب فكرك، وتصاريف نظرك، مضطربا واسعا، ومعتمدا نافعا، وشعوبا جمة، كلها خير يدعوك إلى نفسه، وبيان يكشف لك عن محضه، وأخبر أمير المؤمنين ما كنت قائلا لو لم تكن البعثة للنبىّ صلى الله عليه وسلم بلغتك، ولم تكن الأنباء بأموره تقرّرت قبلك، ثم قامت الحجة بالاجتماع عندك، وقالت الجماعة المختلفة لك: إنه نجم بين ظهرانى مثل هذه الضلالات المستأصلة، والجماعات المستأسدة ، التى ذكر أمير المؤمنين، من قبائل العرب، وجماهير الأمم، وصناديد الملوك، ناجم قد نصب لها، وغرى بها، يجهّل أحلامها ، ويكفّر أسلافها، ويفرّق ألّافها، ويلعن آباءها، ويضلّل أديانها، وينادى بشهاب الحق بينها، ويجهر بكلمة الإخلاص إلى من تراخى عنها، حتى حميت العرب، وأنفت العجم، وغضبت الملوك، وهو على حال ندائه بالحق ودعائه إليه، وحيدا فريدا لا يحفل بهم غضبا، ولا يرهب عنتا يقول الله عزّ وجل: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» أكنت تقول فيما تجرى الأقاويل به، وتقع الآراء عليه، إلا أنه أحد رجلين: إما كاذب يجهل ما يفعل، ويعمى عما يقول، وقد دعا الحتف إلى نفسه،
وأذن الله لقومه فى قتله، فليست الأيام بمادّة له، ولا الحال بثابتة له، إلّا ريثما تستلحمه أسبابهم، وينهض به حلماؤهم، غضبا لربهم، وأنفة لدينهم، وحميّة لأصنامهم، وحسدا من عند أنفسهم. وإما صادق بصير بموضع قدمه، ومرمى نبله، قد تكفّل الله عز وجل بحفظه، وصحبه بعزّه، وجعله فى حرزه، وعصمه من الخلق، فليست الوحشة بواصلة- مع صحبة الله- إليه، ولا الهيبة بداخلة- مع عصمة الله- عليه، ولا سيوف الأعداء بمأذون لها فيه، ثم ما رأيكم يا أهل الكتاب لو قيل لكم: