كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

جاء في مقالات الأستاذ محمود الطناحي:

المصدر
جاء في مقالات الأستاذ محمود الطناحي: "فائدة: قد يظن بعض الناس أن هذا المثل الشعبي: "كُلْ ما يعجبك، والبَسْ ما يعجب الناس" مثل معاصر، أو قريب من المعاصرة، والحقيقة أنه كلام قديم عمره نحو 1400 سنة فهو من كلام أبي عمرو بن العلاء، إمام العربية، وأحد القراء السبعة، المتوفى 154 هـ، مع اختلافٍ في بعض العبارات، فقد رُوي أنه نظر إلى بعض أصحابه وعليه ثياب مُشَهَّرة، فقال: "يا بني، كُلْ ما تشتهي والبَسْ ما يشتهي الناس"، والثياب المُشَهَّرة: الفاضحة المفضوحة، وقد نظم هذا المثل بعض الشعراء القدامى، فقال: إن العيون رمتك من فجَآتها ... وعليك من شُهْرِ اللباس لباسُ أما الطعام فكُل لنفسك ما اشتهت ... والبَس ثيابك ما اشتهاه الناس انظر: المثل والشعر في لطائف الظرفاء، للثعالبي ص 52، وبهجة المجالس لابن عبد البر 2/ 58، والكشكول، لبهاء الدين العاملي 2/ 404" أقول: غير أن ترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، رضي الله عنه وعن أبيه، له قول غير هذا القول قال البخاري في صحيحه: "باب قول الله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة. وقال ابن عباس: كُلْ ما شئت والبَس ما شِئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة" وأثر ابن عباس رواه ابن قتيبة في [عيون الأخبار] وابن أبي شيبة في [المصنف] وغيرهما بسند صحيح وما قاله ابن عباس هو خلاصة الأدب السلفي القديم: أن يراقب الله عز وجل أولاً وأخيراً في هذه الأمور، ويخشى على القلب من الدواخل التي تبعد عن الله من ذلك؛ وأما اليوم فطغت مراءاة الناس حتى شقي كثيرون بالنعم! هذا إذا كان الناس في عصور لا تقيم للمادة وزنا ولا ترفع باللباس مقاما للناس فكيف إذا جاء أبو عمرو بن العلاء والطناحي لينظرا حال الأسواق والعلامات التجارية والمجمعات التسوقية اليوم؟! وإذا كان السرف والخيلاء محثوثاً على تركه، فالحرص على ما يناقضه مستحب أيضاً فلعل المروي عن ابن عباس يعضد الحديث المروي في سنن أبي داود ومسند أحمد: ((البذاذة من الإيمان)) يعني: التواضع في اللباس وترك الاشتغال بالزينة. وكذلك ما روي في جامع الترمذي وقد حسنه: ((من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها)) ولا ينافي هذا أن يرى عليك أثر النعمة في الأعياد وغيرها وأن تتحرى ألا تبدو كالسؤال وتتخذ بين ذلك سبيلا وليت شعري، هل يعلم الذين يستدعون حديث ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) أنه، صلى الله عليه وسلم، كان أفضل لباسه في الجمعة والعيدين؟ قارنوا هذا مع الذين يذهبون إلى صلاة الجمعة بلباس النوم، ثم يتزينون عند الخروج إلى حفل عرس أو مطعم أو مقهى!!! أقول: ولا ينقص هذا من قدر أبي عمرو بن العلاء ولا من قدر الطناحي، إذ أنه كان ناقلا فحسب وإنما الأصل في الاتّباع أن يكون لخير القرون أصحاب خير الناس، محمد صلى الله عليه وسلم