كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الشفاء بنت عبد الله وكشف الانتقائية المنهجية...

المصدر
الشفاء بنت عبد الله وكشف الانتقائية المنهجية... حين يكون عندك مرجعية ليبرالية فتكلم انطلاقًا منها، وأما أن تنظر في التراث وتبحث عن أي شيء تتوهم فيه موافقة هذه المنهجية وتشيعه في الناس، ثم تتعنت وترفض ما هو أقوى منه بكثير مما لا يوافق منهجيتك، فهذا تلاعب. رأينا بعض الناس يُضعِّف الأخبار الواردة في تحريم المعازف وفي نهي المرأة عن الخروج متعطرة وفي النهي عن النكاح بلا ولي وغيرها كثير، ثم تجده يحتجُّ بالواهيات لتجويز تولية امرأة في القضاء! فيقولون إن عمر بن الخطاب ولَّى الشفاء السوق وهذا معناه القضاء بين الناس! ثم يزيدون أنها كانت تقرأ وتكتب يعني مثقفة! في ذلك الجيل وهذا جعل لها ميزة. ونحن لا يثقل علينا ثبوت أي فضيلة لصحابية جليلة، ولكن من باب بيان المنهجية المزاجية التي يتبعونها نقول: لم يثبت أنها كانت تحسن الكتابة. قال النسائي في الكبرى ٧٥٠١ - أخبرنا إبراهيم بن يعقوب، قال: أخبرنا علي بن عبد الله المدني، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعدة عند حفصة، قال: «ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة؟». وكذلك رواه أبو داود، وزيادة "كما علمتها الكتابة" زيادة شاذة لا تصح لأنها انفرد بها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو صدوق ولكن له أخطاء. وقد خالفه من أوثق منه فروى الخبر دون هذه الزيادة. قال أحمد في مسنده ٢٦٤٤٩ - حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أبي بكر بن سليمان، عن حفصة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، يقال لها شفاء، ترقي من النملة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «علميها حفصة». ومحمد بن المنكدر من كبار الثقات الأثبات، وكذلك سفيان الثوري، وإذا روى راوٍ صدوق يخطِئ خبرًا زاد فيه زيادة ما ذكرها ثقة ثبت روى الخبر نفسه فهذه تسمى زيادة شاذة أي ضعيفة جدًّا. قال الإمام مسلم في التمييز: والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. وأما تولية عمر لها على السوق، فكتب الأخوة في صفحة لا تنشر ما يلي: كل ما يُذكر أن عمر ولَّى الشفاء بنت عبد الله على السوق أو جعلها قاضية أو أعطاها منصبًا في الدولة [أكاذيب وخرافات] لا يصح منها شيء: قال ابن سعد في ترجمتها من الطبقات: ويقال: إن عُمَر بن الخطاب استعملها على السوق، وولدها ينكرون ذلك، ويغضبون منه. وأكثر ما يروى فيه أنها كانت لها تجارة فكان عمر يسألها عن ذلك وأخبار السوق. قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/١٤٥٧) عنه: "لم يصح، فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث". والخبر الذي يرويه بعض أتباع التابعين في ذلك مردود من جهتين: الأولى: لا يصح ولم يدركوا تلك الحقبة. الثانية: إنكار أولادها وأهل بيتها لذلك وهم أعلم بها. وكل ما يُذكر في ذلك لا يصح منه شيء. أقول: مما يدل على نكارة الخبر أنه لا يوجد لها أي أخبار في القضاء وفي أمر السوق، ومثل هذا يتطلب الإخباريون ذكره لغرابته وظرافته، وكتب الأدباء ملأى بما لا يُصدَّق نهائيًّا لمجرد ظرافته وغرابته، فكيف بأمر كهذا. ثم ما داعي غضب أولادها وأحفادها من هذا الأمر وهو دليل على سداد رأيها إلا أن يكون الاستعمال هنا بمعنى التوظيف المعاصر وليس أنها تحكم بين الناس، وإنما تساعد في بعض شئون السوق مثل التنظيف وغيره، فكانوا يغضبون من ذلك لأنهم يرون فيه غضاضة عليها، هذا والله أعلم. ولو كانت قاضية لكانت فقيهة، ولو كانت فقيهة لرويت عنها أخبار في الفقه كما رُوِي عن شريح وعن عائشة وعن عمرة وحفصة بنت سيرين وغيرهم، ولا يوجد شيء من هذا في الكتب.