درس للمتعصبين من محمد بن الحسن الشيباني...
درس للمتعصبين من محمد بن الحسن الشيباني...
رأيت مقطعاً لرجل مالكي أزهري يذكر أنه كان يلقي محاضرة في إحدى البلدان على طلبة أحناف.
يقول في مقطعه أنه كان يكلمهم عن اتباع الدليل ولو خالف المذهب، فقام أحدهم وقال ماذا أقول للإمام أبي حنيفة، تقوم القيامة إذا خالفت قوله؟
ذكر هذا المالكي الأزهري كلمته وصار يضحك ضحكاً شديداً على كلامه وقال له: ماذا تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إن خالفت قوله؟
نوادر المتعصبين كثيرة، والتعصب لرأي رجل في مقابل السنة مذموم مطلقاً، فكيف بالتعصب لمذهب أهل الرأي.
حين سمعت هذه القصة تذكرت أمراً قرأته في كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني أحد مؤسسي المذهب الحنفي الثلاثة، وتلميذ أبي حنيفة المباشر.
قال محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الأصل (8/ 467): "وقال أبو حنيفة أيضاً: إذا بلغ الغلام خمسة وعشرين سنة فأكملها وهو فاسد لم يؤنس منه رشد دفع إليه ماله ولم يحبس عنه.
وقال: أرأيت لو بلغ سبعين سنة أو ثمانين سنة وولد له أولاد فصاروا قضاة للمسلمين أكان يحجر عليه وهو أبوهم، وكان ابنه القاضي هو الذي يحجر عليه؟ فأستقبح أن أحجر على هذا وإن كان فاسداً. فإذا بلغ خمساً وعشرين سنة دفعت إليه ماله مفسداً كان أو مصلحاً. وإذا بلغ وهو ابن خمس عشرة سنة أو أقل من ذلك أو أكثر وهو مفسد غير مصلح لم يؤنس منه رشد لم ندفع إليه ماله، ولكنه مع منعه ماله نجيز عليه ما صنع في ماله من شيء من إقرار أو هبة أو صدقة أو بيع أو غير ذلك.
وقال محمد: إذا كان يجوز له ما صنع في ماله فإنما منع من أن يحفظ ماله لفساده. وما يضره أن يكون هو الحافظ لماله إذا علم أنه لا يفسده ولا يهلكه. إنما منع من ماله أن يكون هو الحافظ لماله والممسك مخافة أن يتلفه فيما لا ينبغي . فإذا كان إذا حبس عليه جاز فعله فيه كما يجوز لو دفع إليه فما حرم من ذلك شيئاً أهون عليه من منعهم إياه من دفعه إليه. جعلت مؤنة حفظه على غيره وجعل أمره فيه جائزاً. وقد قال الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . آية محكمة لا ينبغي أن ترد إلا أن يثبت أنها قد نسخت. فينبغي أن لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه رشد كما قال الله تعالى، ابن خمس وعشرين سنة أو ابن أكثر من ذلك أو أقل. ولو كان الأمر على ما قال أبو حنيفة أن أمر اليتيم إذا بلغ وهو مفسد لم يؤنس منه رشد جائز ما صنع في ماله من شيء، ما كان لهذه الآية عندنا معنى. أترى تفسيرها على أن ماله لا يدفع إليه لفساده، وأمره جائز فيه إن أفسده أو أصلحه. ليس الأمر على ذلك، ولا يقع التفسير إلا أنه إنما منع ماله مخافة فساده عليه. وعلى هذا يكون منع المال.
قال محمد: فلست أقول بقوله في الحجر، ولكني أقول: إذا بلغ اليتيم النكاح وبلغ مبلغ الرجال ولم يؤنس منه رشد لم ندفع إليه ماله".
هنا الشيباني يخالف شيخه أبا حنيفة ويستدل عليه بآية في القرآن ويقول أننا لو أخذنا بقول أبي حنيفة لم يكن للآية معنى.
وقول أبي حنيفة أن الغلام إذا بلغ 25 عاماً يدفع إليه ماله وإن لم يؤنس منه رشد، فرد عليه الشيباني بأن المال يبقى مع غيره وينفق عليه بالمعروف فواضح من قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) أن المفسد لا يدفع إليه المال بأي سن لأن العلة معقولة وهي حفظ المال من التلف في غير معنى.
الشيباني ليس متهماً في ولائه لأبي حنيفة، بل الشيباني وأبو يوسف هما من نشر مذهب الرجل في الناس على أنهما كثيراً ما يخالفانه، ومع ذلك يخالفه ويستدل عليه بآية وحجة الشيباني قوية.
فإن كان أبو حنيفة عند الشيباني يجوز عليه مخالفة آية في كتاب الله عز وجل يغفل عن دلالتها، فمخالفة حديث صحيح أو إجماع متقدمين خفي أجوز في العقل.
فإن قيل: هذا إنما يجوز للشيباني ولا يجوز لمن هو دونه.
فيقال: لا أحد يقول لك خالف كل الفقهاء بنظرك الخاص للأدلة، وترك المذهبية بصورتها المتأخرة لا يساوي اطراح الإجماع، فغالباً من يخالف مذهبه يكون موافقاً لإمام مذهب آخر، ولا معنى لأن تجوز للناس أن يخالفوا أبا حنيفة إذا وافقوا أبا يوسف والشيباني أو أحدهما، ثم لا تجوز لهم موافقة الشافعي أو أحمد أو مالك أو سفيان أو الأوزاعي إذا خالفوا أبا حنيفة بحجة أن هذا خلاف التمذهب.
إن تحرز الإنسان من مخالفة الإجماع واعتنى بآثار الصحابة والتابعين فإن مخالفته للمذهب الذي نشأ عليه موافقة للدليل ليس محل تثريب، وكما أن الشذوذ الفقهي قبيح، ومخالفة السنن الواضحة تقليداً لبعض المعظمين أيضاً قبيح.