كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الله ورسوله أرحم بأولادك منك (الله عز وجل ورسوله أرحم بك من أبيك)

المصدر
الله ورسوله أرحم بأولادك منك (الله عز وجل ورسوله أرحم بك من أبيك) قال ابن كثير في تفسيره: "وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح. وقد رأى امرأة من السبي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟" قالوا: لا يا رسول الله: قال: "فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها". وقال السعدي في تفسيره: "فقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} أي: أولادكم -يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم." أقول: أيد ابن كثير تلك الفائدة اللطيفة بحديث مرفوع وأيدها السعدي بذكر الوصية بوقايتهم من النار. ومما ينبغي أن يذكر هنا أيضاً تحريم الوصية بأكثر من الثلث، فذلك من مظاهر رحمة الله عز وجل بالأولاد، وأنه سبحانه وتعالى أرحم بهم من أهليهم. قال البخاري في صحيحه: "2742 -حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: «يرحم الله ابن عفراء»، قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر، قال: «لا»، قلت: الثلث، قال: «فالثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة، فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون»، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة". (والحديث في صحيح مسلم وعامة مصادر الإسلام). فتأمل هذا الخطاب الرحيم (إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم)، وكثير من الآباء إذا قاربوا الوفاة وتذكروا ذنوبهم ربما يقع في أنفسهم أن يتصدقوا بالأموال، أو يقضوا بها فضل بعض الناس عليهم، ولا ينظرون لحاجة أولادهم، فعند التفكر بأمر الذنوب لا يرى المرء إلا نفسه، ومن الناس من يبالغ في إظهار المودة لبعض الخلق وإن حاف ذلك على أولاده. فجعله الله عز وجل حكماً ثابتاً أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، وإنه إن فعل فذلك إثم عليه ولا تجوز الوصية، والتعليل جاء بيناً في السنة أن ذلك لمصلحة الورثة (ومنهم الأولاد)، وهذا وإن كان في كل ميت وفي كل وارث غير أن سبب الحكم في صحابي كانت له ابنة فقيل له ما قيل. وهذه منفعة مشاهدة قد لا يقدرها كثير من الناس لإلفه لها، ولكنك إن نظرت في أحوال من حرموا هذه الشريعة فإنك ستجد كثيراً من الآباء حرموا أولادهم وصاروا عالة، وقد كان في أموال آباءهم ما يكفيهم، وربما خص بعض الأولاد بالميراث دون بعض وهذا كثير، فأورثهم العداوة والبغضاء، فيكون الوالد ترك لبعض أولاده مالاً ولكنه أيضاً ترك له بغضاء وقطيعة من إخوانه، فقطع دابر هذا الشر كله. وسر المسألة الرحمة بلا علم قد تكون نقمة وأذية، فجاء الوحي الذي فيه الجمع بين الرحمة والعلم مبيناً للناس كثيراً مما يغفلون عنه. وهذا الحكم قد حرم منه من لا يؤمن بالسنة فإنه مبين في السنة، وأما في القرآن فجاء حكم الوصية إجمالاً.