أصل مقياس اللذة والألم والتمركز حول الإنسان ..
أصل مقياس اللذة والألم والتمركز حول الإنسان ..
تكلمت آنفاً عن أثر عقيدة المعتزلة في الحكمة الإلهية على عقول الناس في هذا الزمان
وقد شرحت عقيدة الجهمية والأشعرية القائلين بنفي الحكمة بمعناها المعروف عند بني آدم وأنهم يقولون بأن الله عز وجل لا يرجح بين الأشياء على محبته وبغضه سبحانه بل يرون الأشياء كلها متساوية ورب العالمين يرجح بينها بغير مرجح فلا فرق بين الزنا والزواج سوى أن الله نهى عن هذا وأمر بهذا
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (8/343) :" وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث في الحسن والقبح إلا من حيث موافقتها للإنسان ومخالفة بعضها له فما وافق مراده ومحبوبه كان حسنا عنده وما خالف ذلك كان قبيحا عنده فلا يكون في نفس الأمر حسنة يحبها الله ولا سيئة يكرهها إلا بمعنى أن الحسنة هي ما قرن بها لذة صاحبها والسيئة ما قرن بها ألم صاحبها من غير فرق يعود إليه ولا إلى الأفعال أصلا؛ ولهذا كان هؤلاء لا يثبتون حسنا ولا قبيحا لا بمعنى الملائم للطبع والمنافي له والحسن والقبح الشرعي هو ما دل صاحبه على أنه قد يحصل لمن فعله لذة أو حصول ألم له"
فنفي الحكمة والتعليل والتحسين والتقبيح العقليين هو مبدأ جعل اللذة والألم هما المقياس الوحيد أو التحاكم لما كان عليه الناس في الجاهلية
نعم هؤلاء التزموا بالشرع ظاهرياً ولكنهم جردوه من حكمته خصوصاً المتعلقة بالعلاقة مع الله ( والتي وافقهم المعتزلة على نفيها ) فأضعفوا الشرع في قلوب الناس وصار كثير من الناس يحاسب الشرع على مقياس اللذة والألم فقط وبمفهوم فرداني ليبرالي حتى بعيداً عن المفهوم الجمعي فصاروا يستشكلون أحكاماً كثيرة ويفقدون الطمأنينة في التدين بل يرون الدين عبئاً ثم بعد ذلك يجلبون عليه بالشبهات أو يقرأون الشرع من خلال مقاييس مادية مبنية أصلاً على عدم الاعتراف بالإله أصلاً
فتأمل كيف أن التعطيل كان في كثير من نتائجه ممهداً لقبول النتائج المبنية على الإلحاد الصريح وفتن في ذلك كثير من الناس والله المستعان واليوم في الدراسات الأخلاقية يقابل مقياس اللذة والألم في الحالة الفردانية المقياس الروحاني ومقياس قيم المجتمع العامة ومقياس احترام الأبوية وكل ذلك وأعظم منه في الشرع وأعظم شيء مصلحة التدرج في مدارج العبودية لله عز وجل وهذه كلها لا تعتبر في المجتمع الغربي الحديث إلا مقياس اللذة والألم ومن خلال ذلك تنطلق نظمهم الأخلاقية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومن خلال ذلك يحددون المتقدم والمتأخر ويقلدهم كثير من المنتسبين للملة ولا يدرون أنه مبني على فلسفة متنكرة للدين بالكلية أو بعض ثوابته العظام.