كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مثال على سيطرة الأهواء المسبقة على البحث العلمي..

المصدر
مثال على سيطرة الأهواء المسبقة على البحث العلمي.. أولى الناس بالأمانة العلمية في البحث هم الباحثون الشرعيون، وذلك أن الناس يحملهم على البحث حب العلم والحقيقة، ويزيد عليهم الباحث الشرعي بأنه يخاف المقام بين يدي الله عز وجل في الآخرة، ومن هنا قيل (أهل الحديث يكتبون ما لهم وما عليهم). غير أنه مع سيطرة الأهواء الحركية على الناس (والتي ترعى المصالح الدنيوية وأوهام التمكين في الدنيا أكثر من مراقبة الله عز وجل والوقوف بين يديه) تضرَّر البحث العلمي أشد التضرر من أبحاث فيها من العسف الشيء الشديد مع كذب وتدليس وتناقض في المنهج العلمي بل وتوظيف لأصول حداثية وسفسطائية في الحديث عن خلافيات أهل الملة. ومن آخر ما بلغني في هذا الأمر دعوى أحدهم أن الدارمي عثمان بن سعيد دافع عن إمام الرأي أبي حنيفة! معتمدًا على كلام هو أصلًا نقل لاتفاق السلف على ذم الرجل! ولكنَّ كثيرًا من المعاصرين -وليس هذا الباحث بعينه- لهم في التدليس والبتر وتحميل الكلام ما لا يحتمل، وكان هذا يُستخدم في العادة مع نصوص ابن تيمية، ومن أمثلة ذلك أن ابن تيمية يعقد مقارنة بين فرقتين ضالتين فيثني على واحدة منها بأنها أقل ضلالًا من الأخرى فيأتي بعض المعاصرين ويجعل كلمة الشيخ هذه وكأنها تزكية مطلقة للفرقة الأقل ضلالًا وداعيًا لتمييع الخلاف معها مطلقًا! والأمر نفسه صنعوه مع الدارمي عثمان بن سعيد، وكنت قد شرحت كتابه في دروس مسجلة وهي منشورة على اليوتيوب، وبيان الأمر أن يقال: عثمان بن سعيد الدارمي كان يرد على محمد بن شجاع الثلجي وبشر المريسي، وكلاهما حنفي المذهب، ومعلوم أن أبا حنيفة ما كان ينفي صفة العلو ولا الرؤية، وإنما رُوي عنه (على اختلاف في الرواية) المخالفة في باب القرآن. عثمان الدارمي يرى أن الخلاف مع بشر المريسي في الصفات أقوى من خلافيات الناس مع المرجئة والقدرية الذين اتفق السلف على تبديعهم (وهذا هو قول عامة أهل الحديث بما فيهم ابن تيمية). قال الدارمي في الرد على المريسي: "افتتح هذا المعارض كتابه بكلام نفسه مثنيا بكلام المريسي، مدلسا على الناس بما يهم أن يحكي ويري من قبله من الجهال ومن حواليه من الأغمار، أن مذاهب جهم والمريسي في التوحيد؛ كبعض اختلاف الناس في الإيمان في القول والعمل، والزيادة والنقصان، وكاختلافهم في التشيع والقدر، ونحوها؛ كي لا ينفروا من مذاهب جهم والمريسي أكثر من نفورهم من كلام الشيعة والمرجئة والقدرية. وقد أخطأ المعارض محجة السبيل، وغلط غلطا كثيرا في التأويل، لما أن هذه الفرق لم يكفرهم العلماء بشيء من اختلافهم، والمريسي وجهم وأصحابهم؛ لم يشك أحد منهم في إكفارهم". ولا يمكن أن يأتي إنسان بهذا الكلام ليقول أن الدارمي يدافع عن هذه الفرق ويراها ليست مبتدعة، فقد نفى عنها التكفير وهذا إثبات للتبديع، وكلام الدارمي هذا ينقض على أصل كثير من المعاصرين في الدفاع عن بعض الفرق الجهمية المتأخرة كالأشعرية من قياسهم على من ضل من أهل الأهواء ولم يُكفَّر، ولا يدري أن من يغلظ عليهم عنده قياس أظهر شبهًا وهو قياسهم على المريسية والجهمية الذين كلامهم يطابق كلام القوم، ولكن القوم في دفاعاتهم يسيرون على أصل السوفسطائية وهو أن خفاء مسألة من المسائل يقتضي خفاء كل المسائل وأن خفاء مسألة على شخص يعني خفاءها في حق كل شخص، هذا الأصل الذي يُبنى عليه قياس المرجئة الذين لم يكفَّروا على المرجئة الغالية من أهل الكلام الذين كُفِّروا وعلى الجهمية. وإدخال أصول السوفسطائية في البحث العلمي جناية عظيمة على العقل والدين، غير أن كثيرًا من الناس لا يدرون أنهم في هذا البحث يسفسطون وربما نقضوا سفسطات قوم آخرين في أبحاث أخرى، غير أن انتشار أفكار الحداثة وما بعد الحداثة يجعل دخول السفسطات في البحث العلمي مؤشر خطر، خصوصًا مع العاطفية الفاشية، فذلك باب شر عريض وباب تسلط للزنادقة، حين تدافع عن اختيار علمي فعليك أن تبتعد عن أصول الزنادقة في الاستدلال. وقد نسب المريسي بعض تجهماته في الرؤية لأبي حنيفة، فرد عليه الدارمي فكان مما قاله: "وأعجب من ذلك ما رويت عن أبي حنيفة -إن صدقت عنه روايتك- أنه ذهب في الرؤية إلى أن يروا لآياته وأفعاله وأموره، فيجوز أن يقال: رآه، وهذا أيضا من حجج الصبيان، لما أن آياته وأموره وأفعاله مرئية منظور إليها في الدنيا كل يوم وساعة، فما معنى توقيتها وتحديدها وتفسيرها يوم القيامة؟ من أنكر هذا فقد جهل، وإن كان كما ادعيت، ورويت عن أبي حنيفة ما خص النبي -صلى الله عليه وسلم- بها يوم القيامة دون الأيام". وهذا يبين لك أن أهل الحديث ما كانوا يصدِّقون أي شيء يقال عن أبي حنيفة وإنما يحققون ويحررون. =