=
=
فإن قيل: ربما لم تصح هذه المناقب عند من أغفلها من المتأخرين.
فيقال: أسانيد المناقب والمثالب واحدة، فالمدائني وعمر بن شبة في أخبار البصرة هما عمدة أخبار الرجل، والطبري ذكر له أمورًا يسيرة، وعامتها أخبار منقطعة على عادة الإخباريين، فإما قبولها كلها أو دفعها كلها.
بل لو قبلنا المناقب وتشككنا في المثالب لكان لذلك وجه، وذلك أن البلاذري وشيخَه المدائني ظاهِرَا التحامل على الأمويين وعمالهم.
جاء في سير أعلام النبلاء (8/ 447): "حكى المدائني: أنه أدخل على المأمون فحدثه بأحاديث في علي فلعن بني أمية".
وأما البلاذري فيعتمده الإمامية من إفلاسهم ويعدون رواياته كلها صحيحة يحتجون به، وفي أخباره الكثير من الغرائب والمناكير، وربما تكون الجناية في غيره، ولكنه ليس معتمدًا فهو شاعر هجاء.
غير أنه إذا نقل عن شيوخه أمثال ابن سعد والمدائني فغالبًا ما ينقل من كتبهم وهذا يحتمل في الأخبار عن غير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
فإذا كانوا متحاملين على الأمويين فذكرهم لمناقب عامل لبني مروان يُعتبر من شهادة الأعداء، وهذا أقرب للقبول، وأما ذكرهم لمثالبه فمحل تهمة خصوصًا وأنهم لا يسندون شيئًا (والخبر المذكور في قتله لوهب بن منبه مداره على مجهول).
ومن الأمور الملاحظة في الكُتَّاب الحداثيين والروافض أنهم يقبلون أي مثلبة تُذكَر عن الأمويين ولو بلا إسناد، ثم ينكرون أحاديث كثيرة لا تعجبهم ومناقب للصحابة والتابعين وبعض الأمراء، علمًا أن هذه المناقب في كتب صُنِّفت في زمن العباسيين، الخصوم السياسيين للأمويين، وهم عندهم ولع بفكرة تأثير السلطة والمؤامرة ولكنها تتلاشى هنا من شدة حنقهم على القرون الأولى.
وهنا لا أريد أن أقول إن الثقفي رجل صالح كما يظن بعض الناس أن القصة إما تقديس أو تدنيس، ولكنني أردت التنبيه على ضرورة الإحاطة بالمصادر التاريخية والاتساق المنهجي.