كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التفاؤل خصوصية إيمانية

المصدر
التفاؤل خصوصية إيمانية أحسب أن الناس في هذه الظروف بحاجة إلى جرعة من التفاؤل وقد ارتأيت أن أجمع فيها بين الأدب والأثر والنظر قال التنوخي في الفرج بعد الشدة وأنشدني محمد بن الحسن، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد، قال: أنشدنا ثعلب، عن الزبير: لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا وما لقيت من المكروه نازلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا قال المرزوقي الأصبهاني في شرح ديوان الحماسة شارحاً هذه الأبيات ( وهو أوسع شروح الحماسة ) وقد نسب الأبيات لعبد الله بن الزبير : يصف حسن ثقته بربه، وجميل ظنه بتفضله، وأنه قد جرب وتبصر، وعرف من أعقاب الأمور ما جعله لا يذل لنائبة، ولا يتخشع لنازلة، فلا يظن الشر إذا بلى به ضربة لازم لا يخالف، وجار سوء لا يفارق قال: وإذا فاتني أمر وإن جل لا أهلك أسى في إثره، ولا أقتل نفسي جزعاً لفوته، ولا أنزل من مظان الماره منزلة إلا وثقتي بتلي. الفرج وتعجله على أقرب مسافة مني. والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. ويقال: ودجت الدابة، إذا أصبت ودجها. أقول : هذا معنى إيماني محض وقد أحسن المرزوقي بربطه بحسن الظن بالله على خلاف بقية شراح الحماسة فإن هذا المعنى مستفاد من النصوص ( إن مع العسر يسراً ) ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) وقال نبينا صلى الله عليه وسلم : ويعجبني الفأل . وهذا المعنى لا يصلح إلا لأهل الإيمان فإن من لا يؤمن بالله عز وجل من أين يجد التسلي ؟ وكيف يثق بأن بعد العسر يسراً مع عقيدته بالعشوائية واللاغائية فالملحد يعتقد ( أننا جئنا بلا سبب ونسير بلا غاية وننتهي إلى لا شيء ) لهذا العدمية والتشاؤمية تناسب المادية الإلحادية والعشوائية وأما التفاؤل فيسرقونه من أهل الإيمان سرقة وإلا فهو لا يتناسب مع عقائدهم وقد شاهد هذا المعنى بعض الشعراء وهو بكر بن المضمر حيث يقول : أتيأس أن ترى فرجاً ... فأين الله والقدر ولا شيء يدوم في هذه الدنيا بل الله عز وجل يعاقب بين الحالات ( حال عقب حال ) وفي ذلك منافع عديدة منها تحقق مختلف أنواع العبودية ( عبودية اليسر وعبودية العسر وأجر الصبر وأجر الشكر ) وانكشاف أهل النفاق وانكشاف أحوال الخلص من أهل الإيمان أيضاً والمعنى المذكور في أبيات الزبير بن بكار أو عبد الله بن الزبير هو الذي يشير إليه القول المشهور عن عمرو بن العاص : الغمرات ثم ينجلينا والكلمة للأغلب العجلي وقيل تمثل بها عمرو بن العاص بين يدي عمر جاء في الأمثال للهاشمي :" غمرات ثمّ ينجلينا. أي شدائد ستنكشف، وأصله للأغلب العجليّ وتمامه: [الرجز] ثمّت يذهبن فلا يجينا ... لو كنّ صمّ جندل يلينا" وعامة كتب الأمثال ذكرت هذا المثل وشرحته وفي الفرج بعد الشدة للتنوخي أخبرني أبي، قال: حدثنا حرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: وحدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: أخبرني عثمان بن سليمان، قال: قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما لجلسائه، وفيهم عمرو بن العاص: ما أحسن شيء؟ فقال كل رجل برأيه، وعمرو ساكت. فقال: ما تقول يا عمرو؟ قال: الغمرات ثم ينجلين وهذا إسناد منقطع ولكنه قد يحتمل في الموقوف وعمرو جرب الطعن والطاعون فقد كان في الشام عند الطاعون وجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الخلفاء من بعده أشد الأعداء فهذا كلام رجل خبير.