كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وأما قول ابن حزم: "ويصلي عليهم الإمام وغيره..."، فهو هنا يُريد الرد على الإمام أحمد: قال ابن قدامة في المغني: "(١٦٧٠) مسألة؛ قال: (ولا يصلي الإمام على الغال من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه) الغال: هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها، ليأخذه لنفسه، ويختص به. فهذا لا يصلي عليه الإمام، ولا على من قتل نفسه متعمدا. ويصلي عليهما سائر الناس. نص عليهما أحمد. وقال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي: لا يصلى على قاتل نفسه بحال؛ لأن من لا يصلي عليه الإمام لا يصلي عليه غيره، كشهيد المعركة. وقال عطاء، والنخعي، والشافعي: يصلي الإمام وغيره على كل مسلم؛ لقول النبي ﷺ: «صلوا على من قال لا إله إلا الله». رواه الخلال بإسناده. ولنا ما روى جابر بن سمرة، «أن النبي ﷺ جاءوه برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه». رواه مسلم. وروى أبو داود «أن رجلا انطلق إلى النبي ﷺ فأخبره عن رجل أنه قد مات، قال: وما يدريك؟ قال: رأيته ينحر نفسه بمشاقص، قال: أنت رأيته؟ قال: نعم، قال: إذا لا أصلي عليه»". هذا معتمد المذهب، وأحمد ينهى الإمام مطلقا، ويرى المصلحة في ذلك، وتقدم معنا كلام ابن القيم في الأمر. وقد ردَّ أبو يعلى على من قاس جواز الصلاة على المرجوم على الصلاة على قاتل نفسه، فقال في التعليق الكبير: "واحتج بأن في امتناع الإمام من الصلاة عليه ردعًا وزجرًا، فيجب أن يمتنع منه، كما قلتم: في قاتل نفسه، وفي الغال. والجواب عنه: أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: من جهة الظاهر. والآخر: من جهة المعنى. أما من جهة الظاهر: فما روينا عن النبي ﷺ أنه لم يصلِّ على قاتل نفسه، وعلى الغال. وروي أنه صلى على المرجومة والمرجوم، فافترقا من جهة الظاهر. وأما من جهة المعنى: فهو أن المقتول في الحد قد خفف عنه، وقد عوقب بالحد، وأما قاتل نفسه والغال فلم يحدا، فجاز أن يعاقبا بامتناع صلاة الإمام عليهما، والله أعلم". وكذلك البغاة، قال أهل العراق (الحنفية) لا يُصلَّى عليهم، واستفاد منه القاضي عياض أن الخوارج يكونون من باب أولى لا يصلى عليهم، فقال في التنبيهات المستنبطة: "وقد اختلف العلماء في الصلاة على البغاة المسلمين؛ فمنعه أهل العراق، فتكون الصلاة على أهل البدع إذا قُتلوا أضعف وأحرى في الترك لأهل الفضل وجماعة الناس والرغبة فيها أو الترك للكافة جملة للخلاف فيهم من الوجهين: التكفير بالبدعة، وترك الصلاة على البغاة"، يعني بذلك أن مجرد الخلاف في تكفير الخوارج يجعل الأمر بترك الصلاة عليهم هو المتعيِّن. وبعد هذا كله نأتي لبيت القصيد وهو الصلاة على المبتدعة (وكلام ابن حزم يشملهم): قال ابن قدامة في المغني: "(٧٠٧٥) فصل: لم يفرق أصحابنا بين الخوارج وغيرهم في هذا. وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي. وظاهر كلام أحمد، -رحمه الله-، أنه لا يُصلَّى على الخوارج فإنه قال: أهل البدع، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم. وقال أحمد: الجهمية والرافضة لا يُصلَّى عليهم، قد ترك النبي ﷺ الصلاة بأقل من هذا. وذكر أن «النَّبيَّ ﷺ نهى أن تقاتل خيبر من ناحية من نواحيها، فقاتل رجل من تلك الناحية، فقُتِل، فلم يصلِّ عليه النبي ﷺ. فقيل: إنه كان في قرية أهلها نصارى، ليس فيها من يُصلِّي عليه. قال: أنا لا أشهده، يشهده من شاء». وقال مالك: لا يُصلَّى على الإباضيَّة، ولا القدريَّة، وسائر أصحابِ الأهواءِ، ولا تتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم. والإباضيَّة صنف من الخوارج". أقول: تأمل قول أحمد: "قد ترك النبي ﷺ الصلاة بأقل من هذا" وما فيه من استخدام قياس الأولى، واليوم تستخدم قياس الأولى فتذكر لهم ما قيل في البدعة المفسقة لتُلزمهم به في البدعة التي أنت تراها مكفرة من باب أولى، فيظنك بعضهم متناقضًا! سبحان الله ما الذي انتفعوا به من المنطق إذا كانوا يجهلون هذه المسالك الجدلية الواضحة؟! وكلام مالك وأحمد في أصحاب بدع مفسقة، فما بالك بدعاة البدعة؟ وما بالك بأصحاب بدع مكفرة وهم يأمرون الناس بذلك؟ فالأمر ليس تصرفًا شخصيًّا مصلحيًّا بل إرشادًا لكل من يسير على فتياهم، علمًا أن كثيرًا من الناس يتكلمون بالمصلحة، والمصلحة عندهم لا ضوابط لها سوى الأذواق الشخصية، لذا فهي دائمًا في إظهار الترحم ومخالطة أهل البدع! فاليوم المبتدع لا يساوي داعية البدعة، وداعية البدعة لا يساوي صاحب البدعة المكفرة، وداعية البدعة المكفرة لا يساوي صاحب البدعة المكفرة فقط، واليوم يُثبتون لكل هؤلاء حقوق المسلمين الذين ما ابتدعوا بحجة كلام لابن حزم خالَفَ فيه جماهير العلماء يوهمون الناس أنه إجماع! =